الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مصر والعالم عشية ظهور “الهلال” في أول سبتمبر 1892

0 51

كتب :د.عاصم الدسوقي

     حين صدرت “الهلال” في خريف عام 1892 كانت العلاقات بين دول أوروبا تخضع لقرارات مؤتمر فيينا التي صدرت في عام 1815، ذلك المؤتمر الذي انعقد بعد هزيمة نابليون بونابرت والقضاء على الثورة الفرنسية (يوليو 1789) وإعادة النظام الملكي، وذلك للنظر في تسوية آثار حروب الثورة الفرنسية وإعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا، حيث قرر المؤتمرون إعادة الأمور في ممالك أوروبا إلى ما كانت عليه قبل الثورة الفرنسية تحت مبدأ “الحقوق الشرعية”. كما صاغ المؤتمرون أيضا مبدأ “التوازن الدولي” بين القوى الأوروبية الكبرى آنذاك (إنجلترا والنمسا وبروسيا وروسيا وفرنسا فيما بعد) بحيث لا تتفوق دولة على أخرى، مما كان له أثره في العلاقات الدولية. ولا يزال هذان المبدآن يحكمان العلاقات الدولية حتى الآن، رغم مرور أكثر من مئتي عام.

وقد اعتادت قوى فيينا الكبرى الأربعة أن تجتمع معا بشكل دوري لمراقبة الأحداث التي تقع بما لا يؤثر على هذين المبدأين بطريقة أو بأخرى، حتى لقد وقفت ضد الحركة الوطنية في كل من شبه جزيرة إيطاليا والولايات الجرمانية لتحقيق دولتي إيطاليا والمانيا لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بمبدأ توازن القوى وإضعاف النمسا التي كانت تسيطر على شعوب إيطاليا والمانيا آنذاك، ولكن دون جدوى، إذ تحققت الوحدة الإيطالية في عام 1860 وفي المانيا في عام 1871 بالحرب ضد فرنسا.

ورغم هذا “النظام الدولي الجديد”، بدأت سياسة التحالفات السرية الثنائية والثلاثية بين  القوى الكبرى حفاظا على المصالح المتعارضة التي بدأت تتعقد أكثر وأكثر بسبب سعي كل من الدولتين الجديدتين (المانيا وإيطاليا) للبحث عن موقع قدم لهما في سباق الإستعمار الذي أخذ يحيط ببلاد أفريقيا وآسيا بما فيهما العالم العربي.

وكانت أولى تلك التحالفات ذلك التحالف الثلاثي بين المانيا والنمسا وروسيا (1872) المعروف بعصبة الأباطرة الثلاثة. وكان وراء هذا التحالف المانيا بزعامة بسمارك الذي أراد تأمين حدود بلاده من هجوم فرنسي عليها. ومن هنا توصلت القوى الثلاثة إلى إتفاق جنتلمان في برلين يقضي بالعمل معا على الإبقاء على الحدود الراهنة في دول أوروبا.

وفي 1879 تكون تحالف ثنائي بين المانيا والنمسا بعد مؤتمر برلين (1878) الخاص بتسوية آثار الحرب بين روسيا والدولة العثمانية والتي انتصرت فيها روسيا. وفي أثناء المؤتمر تعارضت مصالح النمسا مع روسيا فانحازت المانيا إلى النمسا وبالتالي خرجت روسيا من عصبة الأباطرة تدريجيا، وتبلور التحالف الثنائي بين المانيا والنمسا على قاعدة التعاون المتبادل. وبهذا الحلف إطمأنت النمسا من ناحية أطماع روسيا في البلقان، وأمنت المانيا حدودها الجنوبية في حالة نشوب حرب ضد فرنسا أو روسيا.

ثم أصبح هذا الحلف الثنائي بين المانيا والنمسا، حلفا ثلاثيا بانضمام إيطاليا إليه (20 مايو 1882) وكان السبب المباشر وراء تأسيسه استيلاء فرنسا على تونس في 1881 في الوقت الذي كانت إيطاليا تتطلع للتوسع في طرابلس الغرب (ليبيا). وكانت نصوص الحلف عامة تشير إلى التعاون من أجل السلام، وألا ترتبط أي من أطرافه بإتفاق أو تعهد يكون موجها إلى أي من دول الحلف، وفي حالة وقوع هجوم على أحد أطرافه يعتبر هجوما على الجميع. وقد تأكدت هذه النصوص بمعاهدة بين دول الحلف (20 فبراير 1887) نصت على أن فاعليتها تبقى حتى 30 مايو 1892. ولقد انكشف أمر هذه التحالفات السرية عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى (1914) حين انقسمت دول أوروبا إلى معسكرين.

وفي إطار تلك التحالفات وتوازن القوى الكبرى، انعقد مؤتمر برلين (15 نوفمبر 1884-26 فبراير 1885) لتنظيم استعمار أفريقيا، وكانت المانيا وراء عقد هذا المؤتمر للبحث عن موضع قدم لها للحصول على المادة الخام وتصدير منتجاتها الصناعية. وفي هذا كان بسمارك زعيم المانيا الجديدة يقول: التصدير أو الموت. ومن هنا تحددت علاقات أوروبا الصناعية المتقدمة بالعالم الثالث في أن تصبح بلاد هذا العالم مصدرا للمادة الخام وسوقا لتصريف فائض الانتاج.

***

كما كان يحكم العلاقات بين الشرق والغرب في تلك الفترة ما كان يعرف إصطلاحا “المسألة الشرقية” والتي كان لها تأثيرها على سياسات قوى الغرب تجاه مصر والعالم العربي. وقد صك الغرب الأوروبي هذا المصطلح ردا على سيطرة العثمانيين على بلاد البلقان (اوروبا الشرقية)، وكان يعني كيف تتخلص أوروبا المسيحية من سيطرة المسلمين بقيادة العثمانيين الذين اسقطوا الدولة البيزنطية (عام 1453) واطلقوا على عاصمتها القسطنطينية إسم “استانبول” وحولوا كنيسة آيا صوفيا بها إلى مسجد.

وعلى هذا كانت المسألة الشرقية تعني كيفية تخلص أوروبا “المسيحية” من الدولة العثمانية “الإسلامية” التي كانت تهدد الدول الأوروبية الكبرى وفي مقدمتها روسيا والنمسا وفرنسا، وذلك بالعمل على إضعاف تلك الدولة بمختلف الطرق والوسائل. ومن ذلك إثارة شعوب البلقان ضد الحكم العثماني طلبا للاستقلال ومن ثم كان حصول الصربيين على حكم ذاتي (1804)، واحتلال أجزاء من العالم العربي الخاضع لأولئك العثمانيين، فكان احتلال فرنسا للجزائر في عام 1830 وتونس عام 1881، وقيام إنجلترا بإخضاع مشيخات الخليج العربي في 1819-1820 للتبعية بمقتضى اتفاقيات تمنع شيوخ الخليج من ممارسة تجارة الرقيق، والسطو على المراكب التجارية، والرجوع إلى المقيم العام البريطاني في الخليج للنظر في أي نزاع ينشأ بين القبائل بعضهم بعضا، ثم قيام إنجلترا باحتلال عدن في مدخل البحر الأحمر (1839)، واحتلال مصر في 1882 والسودان بالتبعية. وفي بلاد سوريا الخاضعة مباشرة للحكم العثماني نشطت فرنسا في التغلغل الثقافي والاجتماعي بين أهالي لبنان وسوريا وذلك في أعقاب الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في مطلع ستينيات القرن التاسع عشر، حيث تم وضع نظام خاص للحكم في جبل لبنان تحت إدارة “مجلس طائفي” يرأسه مسيحي، وتأسيس جمعيات تبشيرية وإصدار مجلات ثقافية بهدف تعميق المشاعر الطائفية دينيا ومذهبيا تحت دعاوى “حقوق الإنسان”، فكان هذا الوضع “الطائفي” أحد أسباب هجرة مسيحيي لبنان إلى أمريكا وإلى مصر ومن هؤلاء كان آل تقلا الذين أسسوا جريدة “الأهرام” في عهد الخديو إسماعيل (ديسمبر 1875)، وجورجي زيدان مؤسس مجلة “الهلال” (سبتمبر 1892).

ولكن عندما جاء جورجي زيدان إلى مصر كانت إنجلترا قد وضعت بذور الفتنة الطائفية بين مسلميها ومسيحييها مثلما كانت تفعل في الهند بين الهندوس والمسلمين والمسيحيين خاصة وأن السير إيفلن بارنج (اللورد كرومر فيما بعد) أول معتمد بريطاني في مصر كان يعمل في الإدارة البريطانية بالهند فتم استقدامه لمصر لتنفيذ سياسات الفتنة الطائفية. وعلى هذا بدأت الدعوة مبكرا لإقامة الدولة الإسلامية مما جعل احمد لطفي السيد (استاذ الجيل) يكتب في عام 1892 في جريدة “المؤيد” رافضا هذه الدولة قائلا: إن الدين ليس بكاف وحده ليجمع بين الأمم، إذ لا يجمع بينها سوى المنافع ..”.

ولعل هذا المناخ الطائفي في مصر الذي صنعه الإنجليز حين قدم جورجي زيدان، كان وراء إختياره إسم “الهلال” رمزا لمجلته حتى يتجنب التحرش به.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.