الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

“هبٌات” … شعب مصر

0 56

-كتب :محمد السيد

 تنبه المفكر فتحي رضوان مبكرا إلي أهمية دور الشباب في كل ثورة وحراك سياسي

–  رصدت صفحات الهلال تاريخ ثورات المصريين وكانت جزءا من كفاحهم ضد الظلم والفساد

–  من 1919 حتى 30 يونيو ..هكذا ثار المصريون وهكذا صنعوا واقعهم بالدم والجراح

ضبط حرس قصر نابليون شابا فى الثامنة عشرة من عمره  ومعه سكين  وصورة لفتاة جميلة وأصر الشاب أنه لن يتحدث إلا أمام الإمبرطور، فأخذه الحرس إليه وسأله الإمبرطور: هل كنت تنوي اغتيالي ، فرد بكل شجاعة نعم، فقال له نابليون إذا انت مجنون، فرد ” لا يا سيدي لست مريضا ولا مجنونا أنا فى أحسن حالات العقلاء ، ولكنك تدمر وطني ،ووطن كل الألمان”.

بهذه الحكاية بدأ الكاتب الكبير فتحي رضوان مقالا مهما للهلال يرصد فيه دور الشباب فى النضال  والثورة، مقالا اختتمه بجملة مهمة جدا ” لا تبحث عن ثورة فيها الشباب الوقود واللهيب.. إذا إن كل ثورة هي ميدان الشباب ومجاله وثمرة آماله وخياله”.

مقال الراحل الكبير ، ليس الأول ولا الأخير الذي رصدت الهلال عبره نضال الشعب المصري من اجل حياة كريمة ، بل كانت صفحاتها عبر سنوات عمرها ، شاهدة على كفاح شعب مصر من أجل الحرية والمساوة والحقوق المدنية ..

شاهدة علي طبيعة هذا الشعب الذي قد يصمت فترة ـ تطول أو تقصر ــ علي الفاشية وعلي الظلم ، لكن هذا لا يعني الخنوع ،  فمن يقرأ تاريخ مصر  يعي جيدا اننا شعب نتحمل ونصبر كثيرا ولكن هناك  دائما ساعة للصفر، تلازم  صحوة ضد الحكام المستبدين، ساعة للصفر يخرج الشعب فيها تحت راية واحدة ،  يتزعمهم قائد يسير بهم الي بر الامان الي ان يحققوا أهدافهم وهنا يسكن الشعب  ليبدأ  مرحلة جديدة فى تاريخه.

مقال آخر في السياق نفسه ،  للأستاذ أحمد يوسف نشرته مجلتنا (الهلال)  ،تحدث فيها عن بدايات ثورات المصريين ، مستعيدا تلك الفترة التي اسس فيها الهكسوس فى مصر أسرتين ،وكيف قامت الثورة ضدهم ، وكيف قاتل المصريون وانتصروا،لتفتح  صفحة جديدة فى التاريخ، تحت عنوان عودة “الحرية والاستقلال” الذين حرمت منهما مصر نحو مائة وخمسين عاما .

و تمر السنوات ، لتأتي  ثورة عرابي التي أرخ لها  عبد الرحمن الرافعى ، الذي كتب أيضا على صفحات الهلال (فبراير 1952) عن خفايا وكواليس   ثورة 1919 ، تلك الثورة الشعبية التى استمدت روحها من نضال الزعماء مصطفي كامل، ومحمد فريد ، اللذين  أثارا شوق  المصريين نحو  الحرية والعدالة،وكانا بمثابة الشعلة التي أنارت الطريق لثورة 1919 بقيادة زعيم الأمة سعد زغلول احتجاجاً على المعاملة التي عانها المصريون من قبل الاحتلال البريطاني

منحت الهلال  الكثير من الاهتمام لثورة  1919 ، فخصصت لها ندوة شارك فيها ” وهيب دوس بك – محمد صلاح الدين بك-  عبد الرحمن الجديلي بك”  وناقشوا فيها عدة محاور أهمها أسباب الثورة.

ومن ثورة 19 الشعبية إلى ثورة يوليو 1952 التي قام بها  الجيش استجابة  لمطالب شعب رفض الاستبداد وفساد الحكم وتدخل الأجانب فى شئون البلاد، ثورة بيضاء نجحت في تغيير ملامح التاريخ المصري ، ثورة خرج فيها الجيش المصري لينقل مصر من عصر  الملكية إلي عهد الجمهورية. ثورة أيدها الشعب المصري بكل قوة.

سجل التاريخ  ثورات الأجداد.. بينما كنا نحن شهودا ــ وشركاء بشكل ما ــ فى ثورة يناير2011، والتي  ربما غابت عنها  القراءة الجيدة للتاريخ ، فبدأت بـ”فورة حماس ”  من الشباب،  ورهبة البعض،قد يكون ذلك نابعا من عدم وجود الفارس الذي ياخذ بيد أحفاد الفراعنة ويخرج بهم من ظلام ثلاثين عاما إلى نقلة في تاريخ نضال أمة.

خرج الشعب بلا موعد ولكن كان لها علامات  ونبوءات لم ينتبه لها الا بعض  المثقفون ، ثار الشعب علي ثلاثين عاماً من انتشار الفساد، والرشوة، والمحسوبية، والقهر، ثار ضد الفقر ، وتدني الخدمات التعليمية والصحية، والنقل، فضلاً عن انتشار العشوائيات.

وكانت اهم مكاسبها تلك الحالة من ” الرواج السياسي ”  حيث  راح الشباب يقرأ فى التاريخ ليعرف  كيف يتخطي تلك المرحلة .

السياق يعيدنا إلي مقال الأستاذ فتحي رضوان وزير الإرشاد القومي فى بداية ثورة يوليو  وما كتبه  فى مجلتنا (الهلال) .. عندما نادى الشباب ( أيها الشباب اشتغلوا بالسياسة !) فالسياسة كفاح وعناء اولي درجاتهما أن يصادر الرزق أو تقيد الحرية أو يكمم الفم والقلم.

ثم جاءت  ثورة 30 يونيو التي خرج فيها الشعب  بنفس حماسه  فى المرحلة السابقة ولكن بوعي أكثر ودراسة للموقف بشكل أدق.

30 يونيو ثورة شعبية أراها بشكل شخصي مكملة لثورة 25 يناير من حيث  الزخم  الشعبي والأهداف التي قامت علي أساسها ضد الفساد والتوريث قبل أن تتطور إلي  المطالبة برحيل نظام ، ولكن يقظة الشعب المصري وقوة مؤسسته العسكرية التي كانت علي موعد للخروج لتعطي الشعب الأمان ، فالمؤسسة العسكرية فى تلك المرحلة كان عليها دور كبير فى استعادة الدولة ، وإعادة ترتيب النسق .

كان للهلال ومازال دور مهم فى تغطية وتحليل تلك الثورات  وما مرت به الدولة والاسباب والدوافع وراء قيام تلك الثورات ، كما أنها خصصت أعدادا وندوات لها .

إن خلاصة ما مر به شعب مصر عبر التاريخ يؤكد أننا أمة تجاوزت الكثير من الكوارث  والأحداث التي مرت بها ، واستطاعت أن تقف شامخة أمام أى ظلم أو عدوان بفضل شبابها وإيمانه بمصر ووطنيته، ليس الشباب فقط بل كل فئات المجتمع من الكهول والمخضرمين ، الكبار والصغار ، الرجال والسيدات ، مع تحية مستحقة للمرأة المصرية التي كانت أحد ملامح الحراك الشعبي في العصر الحديث، وقدمت من التضحيات ما رصدته الكاميرات والأقلام ، ولعبت دورا أساسيا جانب الرجل والشاب ..والطفل أحيانا ..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.