الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

هزار الشباب

0 96

كتب :د.محمد عبد العظيم سعود

مرّ بى عاشق الورود صباحا
بعدما زار نرجساً وأقاحا
وشذا الروض من جناحيه فاحا
فالربيع الزاهى المعطر وافى
وليالى الربيع كن قصارا
وهزار الشباب غنى وطارا
يا هزار الشباب ما كنت أرضى
منك هذا، تعال غنّ تعالا
(من رباعيات عمر الخيام، نظم وديع البستانى)فى هدأة الليل كان يجلس فى مستشرف داره، وقد أضفت الأضواء الخافتة على الجو رومانسية، وانبعثت الموسيقى الكلاسيكية، كأنها تأتى من واد سحيق ، سحيق فيرتد العقل إلى الماضي الذى أصبح بعيداً… ذكريات بلاد الألمان… سبع سنوات كان يخالها وقتذاك سنوات ضائعة عجافاً، وانقلب يراها اليوم ثرة كأثر ما تكون السنون.
وعندما أوشك على أن يغادر ألمانيا وطلب إليه أن يجيب عن أسئلة كتبت بعناية فى استمارة، كان منها ماذا أفدت من إقامتك بألمانيا ؟ وكانت إقامته لإعداد أطروحة الدكتوراه أجاب: “اشتعال نزعتى القومية، وتعرف موسيقى “بيتهوفن” إلى حد ما !
وفى الحق، لقد أفاد أبعد من هذا كثيراً نعم، ففضلاً عن أنه نال إجازته المرجوة، فقد عرف كيف يمكن أن يحيا المجتمع إن سادت فيه قيم العمل، قيم العمل التى لا تعلوها قيمة أيا كانت حتى القيم الإنسانية، ولأنه كان قد عاش فى مجتمعه العربى الشرقى حتى ذلك الوقت كل عمره فقد كانت به حاجة أية حاجة إلى هذه الرؤية.

بيد أن الغصة التى كانت بحلقه كان مرجعها إلى ما عاشه من عنصرية بغيضة، كانت تأباها نفسه، ويضيق بها صدره، وينطلق فيلعنها لسانه…
وها قد تقضت مذ فارق بلادهم أربع وثلاثون سنة، لم يهتجه الحنين فيها قط إلى معاهدهم، على ما عرف به من تعلق بالماضى، والأطلال الدارسة لكنه ما أحس يوماً أن له جذوراً تضرب فى أرضهم، نقيض الحال عندما عاش غير مرة، من بعد فى وطن غير وطنه من أمته العربية الكبرى.
لكن فى الحق كذلك أن القوم لم يكونوا مجردين من النزعة الإنسانية، كلا وألف كلا، بل إنه ليذكر موقفاً، وما فتئ يحسبه فى ميزان حسناتهم….
كانت قصة من تلك القصص، التى تنساب فينا هادئة هانئة، صافية، رقراقة، وتنصرف عنا لاهبة، لافحة، عاصفة، متأججة فيها يحس المرء كأنه سقط فى دوامة كدوامة “إدجار آلن بو”، ويبحث عن شىء ثابت فيما حوله، لأن الدوامة لابد أن تقذف به فى النهاية إلى خارجها، كما فعل بطل “بو” لكنه لا يوفق، كما وفق فلا يملك نفسه عن الدوران فى تلك الحلقة الجهنمية اللعينة!
وإذا كان كثير من علماء النفس يرون أن التعبير وليد التفكير، متأثر به، خاضع لظروفه وطبيعته، فليست اللغة جزءاً منفصلاً عن تفكير الإنسان، فإن كلاً منا يفكر باللغة، وهى تعيش فى أذهاننا على صورة ما، قبل أن تجرى على أقلامنا، وألسنتنا، ومن ثم فإنهم يرفضون القول بأن أستاذاً متمكناً من مادته العلمية يعجز عن نقلها إلى طلابه، ويقولون: “لو أن كانت مادته واضحة تمام الوضوح فى ذهنه لما عسر عليه التعبير عنها لتلاميذه” وإذا كان ذلك قاعدة مطردة، فالاستثناء هو تلك الحالات التى تحس فيها أشياء، ربما أيقنت بها، لكن يستحيل أو على الأقل -يصعب جداً- عليك التعبير عنها، حالات يحس المرء فيها كأنه فى منطقة “انعدام وزن” ! حالات اصطلح الناس على تسميتها “حالات حب” !
وآية ذلك أن مفردة “حب” لاهى معرفة جيداً، بلغة الرياضيين، ولا هى أنت واجد لها تعريفاً مانعاً جامعاً، كما يقول أهل اللغة، وإن استقصيت إنما ينتقل المرء رويداً رويداً من بحر آمن مطمئن، يقال له “الإعجاب” إلى بحر لجى، مظلم، متلاطم الأمواج، قاتل الأعماق، يسمونه “الحب” وبين البحرين برزخ، يستحيل عليك تحديد معالمه، أو معرفة حدوده، إنما يسلمك دون وعى منك من الأول إلى الثانى.
وعلى كثرة ما قرأ من شعر الحب والصبابة، فإنه ما وقف على أبلغ ولا أوصف مما قال أبو الطيب:
وما العشق إلا غرة وطماعة
يعرض قلبه نفسه فيصاب
نعم، فالعشق مبدؤه أعيننا نحن، أو آذاننا، كما قال بشار، فالأذن تعشق قبل العين أحياناً !
والعاشق طامع فى الوصل، غرته أمور فى المعشوقة، فهو الذى عرض قلبه، فأصيب.
وهذا العشق قد يكون ناضجاً، وقد لا يكون؛ وهو كما قال أبو الطيب:
يحب العاقلون على التصافى
وحب الجاهلين على الوسام
بيد أن الأمر الحرى بالوقوف، القمين بالتأمل، هو حب بعض العباقرة لفتيات تفصلهن عنهم عشرات السنين.
أحب العقاد وقد جاوز الخمسين فتاة رقيقة الحال فى السابعة عشرة، كانت تلميذة فى مدرسة الفنون الثانوية -صارت من بعد ممثلة شهيرة ! فتذكر “جيته” شاعر الألمان الأعظم، فبعد أن أدرك الشيخوخة أو أدركته غرق فى حب فتاة فى العشرين، فيقول:
يا صديقى القديم جيته اعتذاراً
لك من سوء ظنتى وملامى
كنت أنعى عليك حبك فى الستين بنت العشرين، فاغفر ملامى !
وكأن العقاد ببيتيه يلتمس المعاذير لنفسه، فى قصة حرقت قلبه المضنى غير أن العقاد كان من الصنف الذى يحب، لكنه لا يتزوج! ولا كذلك “موليير” أديب فرنسا الكبير الذى تزوج فتاة يفصلها عنه ثلاثون عاماً ويزيد ولكنه كان زواجاً دمر “موليير” نفسياً، فبعد سنة واحدة جعل الشك يداخل قلبه وتسلطت فكرة واحدة على كل إنتاجه، فكرة “الخيانة الزوجية”، وكانت ذروة -أو قاع- المأساة شكه فى بنوة ابنه.
أما “فاجنر” موسيقار ألمانيا الكبير، الذى كان يفضله “هتلر” فقد كان كما كان “جيته” متعدد الحب لكنه كان أخطر منه كثيراً، وتعلقت به فتاة تكاد تصغره بخمسين عاماً !!
هل هو “حب البقاء” الذى يفسر هذه الظاهرة ؟ حب البقاء الذى يراه الفيلسوف الإنجليزى “توماس هوبز” وراء كل سلوكنا: فالأكل للبقاء، والملبس للبقاء، والمسكن للبقاء، والتناسل للبقاء.. بل إن الحكومات ما قامت إلا لتحفظ لمجتمعاتها بقاءها .
فالشيخ وهو يرى أيامه تدبر من أمامه، يود لو قد أمسك بها ومنعها عن الإدبار، وهل له بأفضل من فتاة صغيرة، تكون رد الشباب إلى روحه وجثمانه؟! يمسكها، فيخال- أو يتوهم-أنه أمسك بعقارب الزمن لا تريم موضعها ! بل لعلها أن تعيد عقارب الزمن إلى الوراء، كأنها “آلة الزمان” كما تخيلها الروائى الإنجليزى هربرت جورج ويلز !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.