الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أمام «عرش نجيب محفوظ»

0 77

كتب :يوسف القعيد

يصفون كتاب نجيب محفوظ”أمام العرش”، بأنه رواية. مع أن الرجل كان حريصا فى الطبعات الأولى منه على أن يصفه بأنه حوار مع رجال مصر من مينا حتى أنور السادات. وكان من عادة نجيب محفوظ أن يكتب رواياته الجديدة فى الخريف. وعموماً لم يكن يمارس الكتابة إلا فى الاعتدالين.. الربيع والخريف. بسبب حساسية فى العين كانت تمنعه من الكتابة فى الصيف. أما الشتاء فقد كان يفضل أن يستغرقه فى التأمل والقراءة والاستعداد. وربما مارس الكتابة فيه إن كان هناك ما يلح عليه ولا ينتظر حتى مجيء الربيع ولا الخريف الذى بعده.
أمام العرش منشورة سنة 1983، وهى تعكس وعياً دقيقاً بتاريخ مصر ومن حكموا مصر. ولا يجب أن ننسى أن نجيب محفوظ أعد نفسه فى البداية لكى يكتب تاريخ مصر بالروايات منذ مصر القديمة حتى العصر الراهن الذى عاش فيه. ولكنه بعد رواياته التاريخية الثلاث الأولى: عبث الأقدار، كفاح طيبة، رادوبيس. بعد هذه الروايات الثلاث انصرف إلى الواقع المعاصر له. وبدأ يكتب عنه، ولم يعد للتاريخ إلا عندما كتب بعد ذلك بسنوات روايته عن إخناتون «العائش فى الحقيقة”.
إذن فالرجل لديه اهتمام قديم بتاريخ مصر. ولا يتوقف أحد أمام معلومة أنه درس بقسم الفلسفة فى كلية الآداب جامعة القاهرة. فمن أجل أن يكتب رواياته التاريخية عن مصر القديمة، من المؤكد أن قرأ تاريخ مصر بعناية غير عادية. قرأه بعين روائى يبحث عن التفاصيل. ويحاول أن يشم رائحة الحياة اليومية. ومن هذه الخبرة ومن تلك المعرفة كتب هذا النص.
عندما كتب هذا الكتاب كان نجيب محفوظ فى الثانية والسبعين من عمره، سن النضج الكبرى بالنسبة لأى روائى كبير مثل نجيب محفوظ. وكانت 1983 بداية حكم جديد، وفى أعقاب حادث مدو لم يسبق أن رأت الكثير منه، ألا وهو اغتيال الرئيس وهو على عرش البلاد. وفى الوقت الذى يحتفل فيه بذكرى نصره.
والعرش فى الرواية هو المحكمة. والذى يعقد أمامها جلسات يحضرون لا أقول المتهمون، لكن المطلوبون. يبدأ كل واحد بكلام عن نفسه وحياته وعصره وما فعله وما قدمه لمصر. ثم تبدأ المحاكمة، والمحكمة تبدو هكذا: أزوريس فى الصدر على عرشه الذهبى إلى يمينه إيزيس على عرشه وإلى يساره حورس، وعلى مبعدة يسيرة تربع تحوت كاتب الآلهة ليكتب ما يجرى أمامه فى كتابه الجامع.
الذين يمثلون أمام هذه المحكمة بالترتيب هم:
– مينا، زوسر، ووزير أمنحتب، خوفو، الحكيم بتاع حتب، أمنحتب الأول، أمنحتب الثانى، أمنحتب الثالث، ثم الملوك سبكمساف، نفر حوتب، حاتحو، نفر خارع، أنتف، تبمايوس، سيكنرع، كاموس، أحمس، تحتمس الأول، تحتمس الثانى، حتشبسوت، تحتمس الثالث، تبى، إخناتون، نيفرتيتى، توت عنخ آمون، حور محب، رمسيس الأول، سيت الأول، رمسيس الثانى، منفتاح، رمسيس الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والتاسع والعاشر والحادى عشر والثانى عشر.

وينتقل نجيب محفوظ من عصر إلى عصر، فيطل علينا البطريرك بنيامين، وموسى كاتب سر أحمد ابن طولون، وعلى سندس، وابن قلاقس، والوزير قراقوش، واسمه الذى دخل التاريخ به: بهاء الدين قراقوش، وعلى بك الكبير، ونصل حتى السيد عمر مكرم.
قال أندريه مارلو، المثقف الفرنسى الشهير، والروائى المهم، ووزير ثقافة شارل ديجول أن مصر هى التى اخترعت الأبدية، ولن أستعرض كل أسماء الحكام خصوصاً أن نجيب محفوظ لا يتوقف أمام الحكام فقط. بل من ساعدوهم. الكتاب والحجاب وكل من كانوا يقفون خلف الحاكم فيما اتخذه من قرارات. وما أقدم عليه من خطوات.
عمر مكرم
وعمر مكرم لا تستغرب محاكمته، فالمحاكمة دارت حول أنه سلَّم حكم مصر لرجل غريب عنها. ويسألونه لماذا لم يسلم حكم مصر لواحد من أبناء مصر، فقال:
-كان مسلماً وبدا لى عادلاً.
-ولم لم تستول على الحكم؟.
-ما كانت الدولة العثمانية توافق على ذلك.
ويكون القرار أنه بسبب هذه التضحية الكبرى يستحق مكانه بين الخالدين.
ثم يبدأ نجيب محفوظ فى الجزء الأخير من روايته يستعرض حكاماً من الماضى لمحاكمة حكام من الحاضر. وهى نقلة جديدة فى النص. فمن يقرأ النص يتوقع أن الذى يملك حق المحاكمة هو المؤلف فقط من خلال هيئة المحكمة. لكن الرجل لا بد أن يطور موضوعه وأن يغيره كلما تقدم به النص. ورغم أنها رواية قصيرة لا تزيد على مائتى صفحة من القطع المتوسط. فإن الروائى كان حريصاً على تلوين وتغيير موضوعه والإضافة له والحذف منه كلما تقدم به.
محمد على
أما الاتهامات الموجهة لمحمد على أنه كان قصير النظر، وكانت لديه فرصة لتجديد دولة الإسلام من منطق مصر الفتية. وأنه وضع عبقريته وأحلامه فى تقوية مصر. وأن المصريين قنعوا بذلك. ويكون قرار هيئة المحاكمة عندما تعلن إيزيس:
– من أجل كل ما قدمه أعتبر هذا الحاكم الأجنبى من أبنائى.
أحمد عرابى

وينادى على أحمد عرابى. لا يقل لى أحد إنه لم يكن حاكماً. فثورته كانت الطلقات الأولى على الواقع الذى حاول العثمانيون والإنجليز فرضه على المصريين. والاتهامات الموجهة لعرابى أنه كان السبب فى تدخل الدول الأجنبية لمنع المصريين من تولى شئونهم خوفاً على مصالحهم. وأنه خان الخديو واتفق مع أعدائه الإنجليز.
يعترفون لعرابى أنه حاول الدفاع عن الوطن بكل ما يملك. ولكنه انهزم وحوكم وحكم عليه بالنفى المؤبد ومصادرة أملاكه. يتهمونه أنه تحدى الجالس على العرش. وخاطبه بما لا تخاطب به الملوك. وأن مشاركة الفلاحين فى الحكم تعنى الفوضى. وأنه استسلم للهزيمة ولم يقاتل وسط جنوده حتى يقضى على جميع أعدائه. إن إخناتون يقول له:
– إنك رجل طيب القلب. فجرت عليك النهاية المقدرة للقلوب الطيبة.
مصطفى كامل
ويدخل الشاب مصطفى كامل. يصفه نجيب محفوظ: شاب ممشوق القوام، عذب الملامح، عارى الرأس، حافى القدمين ويمثل أمام العرش. ولا ينسى نجيب محفوظ أن أبطاله من الموتى فيقول أحياناً إنهم كانوا يجرون أكفانهم وهم يتحركون ليقفوا أمام العرش.
ويعتبر مصطفى كامل أن أحمد عرابى، خائن جر على بلاده الاحتلال – ولا يجب أن ننسى أبداً أننا نقرأ نصاً روائياً خيالياً، لم يحدث فى أرض الواقع ولكن تخيله روائى وكتبه – يقول مصطفى كامل عن أحمد عرابى:
– إنى أعتبره المسئول الأول عن الاحتلال.

 

ويعترف أنه لم يكن بوسعه أن يفعل أفضل مما فعله. وأن يقوم بأكثر مما قام به.
سـعد زغـلول
ويطل علينا سعد زغلول، رجل طويل القامة، مهيب الطلعة، قوى القسمات، جذاب الملامح. والتهم التى كانت موجهة إليه أنه قبل العمل والقيام بثورته فى ظل الاحتلال. وأنه لو كان يريد الاستقلال حقاً، لكان قد انضم إلى الحزب الوطنى الذى أسسه مصطفى كامل ومحمد فريد. ويرد سعد زغلول أن الحزب الوطنى كان يدعو إلى مبادئ خيالية، ومن ذلك قوله: لا مفاوضة إلا بعد الجلاء. فيردون على سعد أنه قبل الثورة فى ظل استمرار الاحتلال.
وإن كان من يحاكمونه قد أخذوا عليه محاولة التعاون مع الأغنياء. ويتهمونه أن الثورة قامت وهو فى المنفى، وأنه لم يفعل شيئاً لإشعالها، بل دهش لقيامها غير المتوقع. وأن تعصبه للزعامة هو ما اضطر العقلاء من معاونيه إلى الانشقاق عليه. وقال له من يحاكمونه إنه كان يجب أن يبقى على رأس الثورة ولا يقبل رئاسة الوزارة.
مصطفى النحاس

وبعد سعد زغلول لا بد أن يأتى مصطفى النحاس وتسميه هيئة المحكمة الثائر الشعبى الثالث فى حياة الشعب المصرى، استمد قوته من إيمانه بشعبه، واتسمت حياته بالكفاح الطويل والنزاهة. وقد عاش فقيراً ومات فقيراً.
وبعدها يبدأ مصطفى النحاس فى المكاسب التى حققها للمصريين: إلغاء الامتيازات الأجنبية، إلغاء صندوق الدين، تأسيس جامعة الدول العربية، استقلال الجامعة، قانون التوظف، منع الأجانب من تملك الأراضى الزراعية، التعويض عن إصابات العمل، التأمين الإجبارى ضدها، الاعتراف بنقابات العمال، فرض استعمال اللغة العربية فى الشركات الأجنبية، الضمان الاجتماعى، ديوان المحاسبة، مجانية التعليم الابتدائى والثانوى والمتوسط.
وكما جاء فى موسوعة وصف مصر فى أدب نجيب محفوظ ،الجزء الأول وفى الفصل الخاص ب «الملوك والرؤساء والزعماء»،من تأليف مصطفى بيومى .
جمال عبدالناصر
لا تتسع الروايات والمجموعات القصصية التى أصدرها نجيب محفوظ، فى فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر،للحديث الإيجابى أو السلبى عنه بشكل مباشر،لكن الأمر لا يعدم الإشارات غير المباشرة التى تتناثر فى ثنايا الأعمال الروائية والقصصية.
الندماء الكاذبون
من ذلك ما نجده فى «ثرثرة فوق النيل» التى صدرت طبعتها الأولى سنة 1966.المخدر الذى يهيم به أنيس زكى،لا يحول دون انطلاقه فى تداعيات غير خافية الارتباط بالواقع الذى يهرب منه،ولأن المباشرة مستحيلة،فإن كلمات الأديب الحكيم المصرى القديم «إيبو-ور»،تصلح «قناعا»لمخاطبة العصر الحديث وزعيمه: «أيها الحكيم القديم إيبو-ور أقدم بعصرك الذى اضمحل فيه كل شيء إلا الشعر وأسمعنا الغناء.حدثنى ماذا قلت لفرعون.أقبل الحكيم إيبو-ور وهو ينشد:
إن ندماءك كذبوا عليك
هذه سنوات حرب وبلاء
قلت أسمعنى مزيدا أيها الحكيم ! فأنشد:
ما هذا الذى حدث فى مصر
إن النيل لا يزال يأتى بفيضانه
إن من كان لا يمتلك أضحى الآن من الأثرياء
يا ليتنى رفعت صوتى فى ذلك الوقت
قلت: ماذا قلت أيضا أيها الحكيم ايبو- ور؟.:فقال:
لديك الحكمة والبصيرة والعدالة
ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد
انظر كيف تُمتهن أوامرك
وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة؟»
غياب الرئيس عبد الناصر عن روايات نجيب محفوظ، التى صدرت فى حياة الزعيم، لا يعنى أنها أعمال بعيدة عن السياسة، ففيها موقف نقدى واضح من سلبيات ثورة يوليو، وهو مايتجسد بوضوح فى روايتى «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» كما يبدو الانعكاس المدوى لهزيمة يونيو 1967 فى مجموعة «تحت المظلة» التى يشير نجيب إلى أن قصصها قد كتبت بين شهرى أكتوبر وديسمبر من عام 1967.
ومن اللافت للنظر كذلك، أن «الكرنك» هى الرواية الوحيدة التى يحرص نجيب على تذييلها بتاريخ كتابتها: ديسمبر 1971، على الرغم من أنها لم تنشر فى ذلك التاريخ، ولعل الهدف من ذلك التاريخ أن ينأى الكاتب الكبير بنفسه عن الحملة الشرسة، غير الموضوعية فى معظمها، التى استهدفت جمال عبد الناصر وثورة يوليو، فى تاريخ «نشر» وليس «كتابة» الرواية!.
وتمثل كتابات نجيب محفوظ فى الثمانينيات موقفاً أكثر وضوحاً من عبدالناصر، وعلى الرغم من امتلاء هذه الروايات بالهجوم القاسى والدفاع العتيد، فإن استخلاص موقف نجيب محفوظ يبدو غير ميسور، لانقسام شخصياته وتماسك وجهات النظر التى يقدمها المدافعون والمهاجمون على حد سواء.

بعد الهزيمة، يحل الصمت على جيل الأحفاد: (( كأن الأمر لم يعد يعنيهم، أو أن ناصريتهم غرقت فى مستنقع من الحيرة، تخبطوا فى الظلام صامتين)).
وسرعان ما تنفجر مظاهرات الطلبة الغاضبين: «كأول تحد داخلى يواجه الزعيم من أخلص أبناء قبيلته. تردد الهتاف بسقوطه، وتطايرت فى الجو السخريات المسجوعة».
بغياب جمال عبد الناصر وقسوة الحياة بعده، يتكاثر الباكون عليه والحالمون باستعادة أيامه، ولعل قهوة «ريش» الشهيرة هى أفضل تعبير عن هذه الظاهرة، أو كما يقول علوان: «هنا معبد تقدم به القرابين إلى البطل الراحل الذى أصبح رمزاً للآمال الضائعة… آمال الفقراء والمعزولين».
يبدو الانحياز سافراً لعبد الناصر، ففى الاحتفال الأخير بذكرى انتصار أكتوبر، الذى انتهى باغتيال السادات، يقول أحد مرتادى القهوة: «الرئيس الراحل فى هزيمته أعظم من هذا فى نصره»!.
لا يختلف الوجود الروائى لأنور السادات ، فى عالم نجيب محفوظ، عن الوجود الروائى لجمال عبد الناصر، فكلاهما لا يظهر بوضوح -وبحرية أيضاً- إلا بعد رحيله وزوال حكمه، وكلاهما تنقسم حوله الآراء تبعاً لطبيعة الشخصيات، وكلاهما يصعب تحديد موقف صارم ومحدد لنجيب محفوظ نفسه تجاهه!.
يتراوح استقبال الشعب للسادات، فى بداية خلافته لعبد الناصر، بين الترحيب والاستهانة.
وبالنسبة للصراع على السلطة، الذى تفجر فى مايو 1971، أو ما يسميه السادات بالثورة ضد مراكز القوى، فإن نجيب محفوظ يقدم تعليقاً يسعى إلى

الموضوعية، لكنه لا يخلو من التعاطف: «وتتأزم الأمور وتتعقد ولكنها تنتهى بنهاية غير متوقعة فينتصر الرئيس الجديد على أعدائه انتصاراً مبيناً. وبالانتصار تلوح بشائر زعامة جديدة، ومولد شعبية جديدة متعطشة للانتصار ومتطلعة للأمان. وتبدأ دورة جديدة للبحث عن مخرج من الأزمات المتراكمة».تمثل سياسة الانفتاح الاقتصادى، بتأثيرها السلبى المباشر على حيوات الغالبية العظمى من المصريين، نقطة ضعف خطيرة فى فترة حكم السادات، وفى حوار منيرة، ذات العواطف الناصرية، مع شقيقها محمد، الإخوانى المتحمس للسادات، تقول:
«- اعرفوا أيضاً الانفتاح..
فتتسائل الأم:
– ماله الانفتاح؟.. حتى روسيا أخذت به..
-ولكنه سيعنى عندنا الغلاء والخراب..
وعند تلك النقطة غير محمد شراعه قائلاً:
– نحن نوافق عليه ضمن خطة الإنتاج..
فتساءلت منيرة:
-هل توافق على ذلك الصقور المتحفزة؟!».
علوان لا يطيق السادات وعهده، ويبدو دائم الحنين لعبد الناصر: «فقدنا زعيمنا الأول ومطربنا الأول، ويخرجنا من الهزيمة زعيم مضاد فيفسد علينا لذة النصر».
وفى لقاء يجمعه مع حبيبته رندة فى استراحة الهرم، يبدو وكأنهما يتنافسان فى التعبير عن كراهيتهما للسادات!، فإذ يقول علوان:
– «فلنتسل بحصر أعدائنا.
تدخل رندة اللعبة قائلة:
-غول الانفتاح واللصوص الأماثل..
– هل ينفعنا قتل مليون؟
فقالت ضاحكة:
-قد ينفعنا قتل واحد فقط!».
وتنهال شتائم علوان وأبناء جيله على السادات وسياسته: «مقهى ريش منقذ من ضجر الوحدة.أجلس وأطلب القهوة وأرهف السمع. هنا معبد تقدم به القرابين إلى البطل الراحل الذى أصبح رمزاً للآمال الضائعة، آمال الفقراء والمعزولين، هنا أيضاً تنقض شلالات السخط على بطل النصر والسلام. النصر يتكشف عن لعبة والسلام عن تسليم».
حسنى مبارك
لا يتسع عالم نجيب محفوظ للكثير عن الرئيس محمد حسنى مبارك، من ناحية لأن الأغلب الأعم من إنتاج الكاتب الكبير قد كتب ونشر فى عهود سابقة، ومن ناحية أخرى لأن القليل الذى صدر فى عهد آخر الحكام الذين عاصرهم نجيب محفوظ يتطرق إلى فترات تاريخية سابقة، باستثناء عملين تمتد المعالجة فيهما إلى سنوات حكم مبارك.
هجرة بلا رجعة
فى قصة «صباح الورد» يتخذ حسين الجمحى، المعادى لجمال عبد الناصر وثورة يوليو، والمستفيد من السادات وقوانينه الانفتاحية، موقفاً سلبياً من حكم الرئيس مبارك: «وفى العهد الثالث للثورة -عقب اغتيال السادات- تكشفت له حقائق الأمور كما لم تتكشف من قبل، ولم يتبع الإصلاح الجديد بالتفاؤل الجدير به، وكان آخر ماسمعت من قوله: أشك جداً فى أنه يمكن إنقاذ السفينة من الغرق، وسوف يستوى من عنده مال ومن لا مال له، ولذلك فإنى أفكر فى هجرة بلا

رجعة، وهى نهاية منطقية لحركة عبد الناصر!».
لا مبرر لهذا الموقف المتطرف إلا عداء عبد الناصربلا منطق، والإيمان الأعمى بالسادات دون قدرة على تصور وجود بديل أفضل.
لقد أعلن الرئيس مبارك، فى مطلع حكمه، أنه ليس عبد الناصر أو السادات، وهو يعنى انتهاجه سياسة جديدة مستقلة، تأخذ من الزعيمين السابقين بقدر ما تترك. ولأن حسين الجمحى، لأهداف ومصالح ذاتية، لا يقنع بغير الأنموذج الساداتى فى الحكم، ولأن عداءه لعبد الناصر بلا ضفاف، فإنه لا يبدو متحمساً لاستقلالية الرئيس مبارك وطموحه الإصلاحى، ويرفض كل محاولات الإنقاذ من الغرق، ولا يرى بديلاً لهجرة بلا رجعة، محملا عبد الناصر -دون السادات- مسئولية ما يراه انهيارا شاملا، لا دواء له إلا أن يفر مهاجرا هاربا من الطوفان!.
آمال وإيمان
صيختلف الأمر جذريا بالنسبة لجيل الشيوخ المعمرين الذين تربوا فى أحضان الوطنية المصرية الخالصة فى رواية «قشتمر». بعد اغتيال السادات فى حادث المنصة المأساوى، وعلى الرغم من الشيخوخة والروماتيزم والذبحة والبروستاتا، يذهب الراوى وأصدقاؤه: «متوكئين على العصى إلى مركز الاستفتاء بالمدرسة القديمة ببين الجناين لننتخب الرئيس الجديد الذى تعلقت به آمالنا بقدر تعلقها بالأمان والحياة».
ذلك الجيل الذهبى فى تاريخ الوطنية المصرية، جيل نجيب محفوظ، لا تختلط عنده الأوراق، ولا تطغى النوازع الذاتية والمصالح الأنانية على مشاعر الواجب والانتماء. يدركون هول الواقع الذى تعيشه مصر بعد الاغتيال، ولا تحول أمراضهم المزمنة دون المشاركة الإيجابية حتى اللحظة الأخيرة. يذهبون إلى لجنة الاستفتاء، وينتخبون الرئيس مبارك، ودافعهم الجدير بالاحترام والتقدير: إيمان لا يتزعزع بالحياة وإصرر على التشبث بالأمل.
يمثل العهد الجديد أملاً إصلاحياً عند نجيب محفوظ، ويبقى الإدلاء بالصوت الانتخابى واجباً مقدساً، ويتجسد الوعى السياسى فى القدرة على القراءة الصحيحة للمتغيرات العاصفة وخطورتها على مسيرة الوطن.
ذلك أن الحياة يجب أن تستمر!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.