الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

أهم المؤثرات الفكرية في نشأتي وتكويني!

0 112

كتب :وديع فلسطين

ذقت مرارة اليتم فى سن مبكرة جدا، فلا تسعفنى الذاكرة بشيء عن تلك الفترة التى فقدت فيها والدي، حيث لم أكن أبلغ حينها الخامسة تقريبا، إلا أن ما أعيه جيدا أن الداعم الأكبر والأهم لى فى بداياتى كان يتجسد فى شخص الأم، تلك المرأة الصعيدية التى حملت على عاتقها مسئولية ينوء بها الأشداء من الرجال، مسئولية أسرة كبيرة العدد والوصول بها إلى بر الأمان دون المساس بكرامتهم، أو إشعارهم بحاجتهم لأحد مهما كان، كانت المؤثر الأكبر والأهم فى دعمها لنا على مواصلة السير فى السلك التعليمى متجاوزين كل العقبات مهما كانت، ناظرين فى أنفة وشموخ إلى ما ينتظرنا من مستقبل على البر الآخر، وأذكر حينما عملت بالصحافة وكنت آتيها بما أكتب، كانت حريصة على قراءة كل كلمة أسطرها بيدي، رغم عدم اهتمامها بالسياسة نظرا لثقافتها وطبيعة بيئتها آنذاك، فما كان تعليمها يتجاوز الابتدائية، ولكن جل اهتمامها وما يعنيها من الأمر كله أننى كاتب المقال.
وبالنسبة للمدارس فى هذا الوقت فلم يكن لها دور كبير فى التكوين الثقافى والفكرى لطلابها، فما كانت تقدمه لا يتجاوز المناهج المقررة، فلم يكن ثمة أنشطة تثقيفية تذكر آنذاك، ولكن البداية الحقيقية كانت تتمثل فى الجامعة الأمريكية وكان ذلك من خلال ما تعلمنا من دراسة وإتقان الإنجليزية والتى ساعدتنى بشكل كبير على الاطلاع على الثقافة الغربية وآدابها المختلفة، ومن ثم كانت ممهدة للتواصل مع المستشرقين الذين عكفوا على دراسة ثقافتنا
العربية من كل جوانبها، ولكن استفادتى لم تكن بالشيء الذى يذكر من جانب المستشرقين بل كانت إفادتهم أكبر وذلك لإلمامى إلى حد كبير
بالثقافتين العربية والأجنبيةوعقب تخرجى فى الجامعة توسط لى أستاذى فؤاد صروف لدى قريبه الأستاذ فريد شقير لأعمل فى جريدة الأهرام، وبالفعل التحقت بالأهرام ولكن فى الإدارة حينا، مرورا بأقسام التوزيع والإعلانات، ولم أكن محررا بالأهرام، ولا أنكر أن استفادتى بقسم التوزيع كانت كبيرة، لدرجة أن استدعانى الأستاذان مصطفى وعلى أمين للاستفادة من خبرتى لزيادة توزيع جريدة أخبار اليوم، وكانت الفترة التى قضيتها فى الأهرام ما بين عامى
1942و 1945م.

ومن الملاحظ أن الشوام كان لهم الحضور الأقوى والمؤثر فى الصحافة المصرية بهذا الوقت، فتجدهم على رأس المؤسسات الصحفية مثل دار المعارف ودار الهلال والأهرام والمقطم …إلخ، وهم كانوا أصحاب الفضل الأقوى والأبقى فى حياتى الثقافية والعملية بشكل كبير، فإبان تركى للأهرام عملت بجريدة المقطم وكان يشرف عليها فارس باشا نمر وخليل باشا ثابت، والد كريم باشا ثابت المستشار الصحفى للملك فاروق، وكان الامتحان الأصعب لى من نوعه فى هذه الفترة والذى ترك أثره فى تكوينى بشكل كبير، هو أن استدعانى فارس باشا نمر والبالغ من العمر حينها 95 عاما، وكلفنى بكتابة الافتتاحية، بدلا من رئيس التحرير البالغ من العمر 75 عاما، موقف لا أحسد عليه، كيف يتسنى لى أن أفعل ذلك وأنا لم أتجاوز الخامسة والعشرين حينها، نعم كان مقال الافتتاحية يصدر دون أن يكون ممهورا باسم كاتبه، ولكنه على أية حال امتحان صعب خاصة وأنا فى بداياتى الصحفية، ولكن بتشجيع من أساتذتى اجتزت تلك العقبة وكتبت المقال، وظللت مداوما على كتابته إلى أن أغلقت الجريدة عام 1952م، وذلك لما تحمله الافتتاحية من وجهات نظر فى السياسة لم ترض بالطبع الحكام فى هذا الوقت، حيث كنت مؤمنا بأن مكان الجيش فى الثكنات العسكرية وليس فى الحكم، وهاجمت كل المحاولات الانقلابية الفاشلة فى سوريا وكل بلاد العالم، وكان أن تم القبض على من قبل نظام جمال عبد الناصر، ومن حينها تقريبا صرت أنأى بنفسى تماما عن السياسة والحزبية بل ظللت مستقلا قدر الإمكان.
ولكن يبقى الدور الكبير الذى تركه الشوام فى تكوينى الثقافى والفكرى فقد عشقت من خلالهم اللغة العربية وصرت أغوص فى بحورها بحثا عن أفضل المصطلحات، وأعنى بها قدر الإمكان، وصرت كذلك متأثرا بأسلوبهم فى الكتابة وفى الكثير من طرق تفكيرهم.
وممن لهم أثر كبير لا أنساه الراحل سعيد جودة السحار فقد نشر لى أول مسرحية مترجمة وهى مسرحية “الأب” للكاتب السويدى أوغست ستريندبرج، ولكنه لم ينشر لى مسرحيات أخرى إيمانا منه بأن المسرحيات تكتب لتمثل لا لتقرأ.
وأحب أن أذكر بعضا ممن كان لهم الأثر الكبير فى تكوينى الثقافى والذين شملونى برعايتهم، وعطفهم، وتوجيهاتهم فى مقتبل حياتى الأدبية والصحافية:
خليل باشا ثابت: رئيس تحرير جريدة “المقطَّم”؛ فحينما تقاعد؛ كُلِّفتُ بكتابة المقالات الرئيسة فى الجريدة؛ فكان هو أول من شجَّعني، وأثنى على عملي، وظل يتابعنى باستمرار طوال الوقت. وكنت أشعر بسعادةٍ غامرةٍ، لا حد لها؛
فور إشادته بي، وبمقالاتي، وأسلوبي.
فؤاد صروف: كان يدير مجلة “المقتطف” بحسٍّ أدبيٍّ منذ عام 1927م وحتى عام 1948م، وحينما تولى رئاسة تحرير مجلة “المختار” من “ريدر دايجست”

حرص على أن تخلو من أية أخطاء نحوية أو لغوية أو أسلوبية؛ فاستعان بالعلاّمة/ محمود محمد شاكر(أبى فهر) صديقي؛ ليكون مدير تحريرها، ومسئولاً عن سلامتها من كل هذه الأخطاء، فنجح فى ذلك نجاحاً باهراً. وهو ما أفدته من فؤاد صروف فى حياتى العملية؛ فكنتُ أُعْنَى بجودة ما أُشْرِف عليه من صحف ومجلات؛ حتى تكون آية فى الأسلوب والصياغة والمحتوى، والخلو من الأخطاء.
الشيخ/ محمود أبو رية: أزهريٌّ؛ كان يُكاتبنى من مدينة المنصورة؛ فلمّا انتقل إلى القاهرة أصبح يزورنى أسبوعياً، وأستشيره فى كل شيء. وأذكر أننى حينما أردتُ نشر كتابي(قضايا الفكر فى الأدب المعاصر)، وهو أول كتاب أدبى لي؛ عرضته عليه؛ فرحَّب بحماسٍ شديدٍ؛ فاطمأننتُ لرأيه الحكيم، وحسه الأدبي؛ فأصدرت الكتاب.
عبّاس محمود العقّاد: يكفى أنَّ هذا العملاق؛ حينما أهدانى كتابين له؛ وصفنى قائلاً: “إلى حضرة الأديب المَكين”!
طه حسين: وأذكر أنَّ أحد زملائى الأجانب فى الجامعة الأمريكية ببيروت؛ هاتفنى لكى أحضر معه مقابلته الصحافية مع عميد الأدب العربي. ولمّا كانت اللغة تقف عقبة فى الحوار بينهما؛ طلب منى أن أعمل مترجماً؛ فيقوم هذا الضيف بإلقاء سؤاله بالإنجليزية، وأقوم أنا بترجمته إلى الفرنسية؛ لكى يتسنى لطه حسين الإجابة؛ ثم أقوم أنا بترجمتها إلى الإنجليزية لصديقى الأمريكي. وبالفعل تمت الترجمة. فأشاد بى طه حسين، وأثنى عليَّ كثيراً، وأخبرنى أنه يتابع مقالاتى الافتتاحية فى جريدة”المقطم” ففرحتُ فرحاً عظيماً؛ فهذه شهادة من طه حسين؛ لا تُقدَّر بثمن!
هنرى كتن: وهو أكفأ مَن عرفتُ فى مادة القانون باللغات العربية، والإنجليزية، والفرنسية، وهو أفضل مَن دافع عن القضية الفلسطينية فى الأمم المتحدة. ويبقى كتابه(فلسطين فى ضوء الحق والعدل)الذى قمتُ بترجمته إلى العربية .. أقوى وثيقة قانونية تُثبِت الحق الفلسطينى ضد الاحتلال الصهيونى البغيض! فهذا الرجل النادر المثال؛ أمدَّنى بخبراته، واطلاعه الواسع، وعقليته الفقهية والقانونية.
القانوني/ رياض شمس: كان من أساتذتى فى الجامعة الأمريكية، وهو متخصص فى قانون الصحافة والعلاقات العامة، وكان محامياً مرموقاً، وشملنى بعطفه وعنايته.
السباعى بيومي: وهو أستاذى فى الجامعة الأمريكية؛ الذى حبَّبنى فى اللغة العربية؛ بعد أنْ كرَّهنى فيها الأساتذة الآخرون؛ فهو الذى فتح أمامى عوالم الفصحى؛ وجعلنى من المفتونين بها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.