الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

البطريرك والزعيم

0 75
  • كتب :محمد رأفت فرج
  • عندما مات عبد الناصر نعاه البابا كيرلس السادس قائلا: ” إن جمال لم يمت ولن يموت .إنه صنع في أقل من عشرين سنة مالم يصنعه أحد قبله في قرون”.
  • زار البابا كيرلس الرئيس عبد الناصر ذات مرة في بيته ففوجئ بأبناء الرئيس وكان في يد كل منهم حصالته ووقفوا أمامه فقال الرئيس لكيرلس إنه علم أبناءه أن الذي يتبرع لكنيسة مثل الذي يتبرع لمسجد

 

  • بعد هزيمة يونيو 1967 أعلن عبد الناصر تنحيه فتوجه البابا كيرلس على الفور على رأس وفد من المطارنة والأساقفة والكهنة إلى رئاسة الجمهورية وأعلن تمسكه وتمسك الأقباط بعبد الناصر

 حاول راهب مطرود اسمه أرمانيوس الأنطوني الوقيعة بين كيرلس وعبد الناصر فزور خطابا للبابا زعم فيه أن كيرلس دعا بالنصر لبن جوريون فاندهش البابا من الجريمة وأبلغ النائب العام فورا مؤكدًا أن الأقباط لا يمكن أن يعترفوا بالعصابات الصهيونيةإن الحزن الذي يخيم ثقيلا على أمتنا كلها لانتقال المحبوب والبطل المظفر جمال عبد الناصر إلى عالم البقاء والخلود أعظم من أن يعبر عنه أو ينطق به أن النبأ الأليم هز مشاعرنا ومشاعر الناس في كل الشرق والغرب بصورة لم يسبقه إليها ونحن لا نستطيع أن نصدق أن هذا الرجل الذي تجسدت فيه آمال المصريين وكل العرب يمكن أن يموت”.

بهذه الكلمات نعى البابا كيرلس السادس الرئيس جمال عبد الناصر عند وفاته، مضيفاً:” جمال لم يمت ولن يموت إنه صنع في أقل من عشرين سنة مالم يصنعه أحد قبله في قرون وسيظل تاريخ مصر وتاريخ الأمة العربية إلى عشرات الأجيال مرتبطا باسم البطل المناضل الشجاع الذي أجبر الأعداء قبل الأصدقاء على أن يحترموه ويهابوه ويشهدوا بأنه الزعيم الذي لا يملك أحد أن ينكر عليه عظمته وحكمته وبعد نظره وسماحته ومحبته وقوة إيمانه بمبادئ الحق والعدل والسلام.

وأضاف إن الأسى الذي في قلوبنا أعمق من كل كلام يقال ولكن إيماننا بالخلود وإيماننا بالمبادئ السامية التي عاش جمال عبد الناصر من أجلها وبذل لها دمه وأعصابه وحياته إلى آخر رمق فيها يملأ قلوبنا بالرجاء، إننا نشيعه إلى عالم الخلود محفوفا بالكرامة التي تليق باسمه العظيم وعزاء للأمة كلها ولأمة العرب بأسرها بل عزاء للعالم في رجل من أعظم الرجال الذين عرفتهم البشرية.

برغم هذا النعي الذي جاء بعد تحسن العلاقة بصورة كبيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر وبين البابا كيرلس السادس حسب ما ذكر الكاتب محمود فوزي في كتابه “البابا كيرلس وعبدالناصر” الصادر عام 1998 عن مؤسسة الأهرام، أكد الكاتب أنه سأل البابا شنودة الثالث عن سر توتر العلاقة بين البابا كيرلس وبين الرئيس جمال عبد الناصر فأجابه أن العلاقة فعلا شابها بعض التوتر بسبب طلب البابا عشرات المرات لقاء الرئيس لكي يعرض عليه بعض مشاكل الكنيسة ولكنه لم يجد أي استجابة، حتى في المرة التي ذهب فيها البابا كيرلس للرئيس في القصر الجمهوري مع أحد أعضاء مجلس الأمة، يبدو أن الرئيس كان متضايقا من بعض الأمور فاستقبل البابا كيرلس بفتور، وخرج ساعتها البابا كيرلس من هذه الزيارة حزينا مما حدث.

وأرسل الرئيس جمال عبد الناصر فيما بعد للبابا وطيب خاطره وبدأت صفحة جديدة بينهما، بعد تدخل الأستاذ زكي شنودة المحامي عميد المعهد القبطي، حيث كان مستشار البابا كيرلس، وذهب البابا كيرلس بعدها إلى منزل الرئيس بمنشية البكري، واستقبله الرئيس عبد الناصر استقبالا طيباً.

وكانت هناك العديد من اللقاءات التي جرت بعد ذلك بين الرئيس والبابا التي لم تتوقف ولقد استقبله الرئيس في عام 1959م ، ويومها قال البابا كيرلس للرئيس عبد الناصر إنه بعون الله سيعمل على تعليم أبنائه معرفة الله وحب الوطن ومعنى الأخوة الحقة ليشب أبناء الوطن وحدة قوية لديها الإيمان بالله والحب للوطن، وأثنى الرئيس عبد الناصر على روح البابا كيرلس التي تحلت بحب الوطن .. ودعا للرئيس بالتوفيق.

ومن المواقف التي حدثت بينهما أن البابا كيرلس كان يزور الرئيس عبد الناصر ذات مرة في بيته ففوجئ بأبناء الرئيس وكان في يد كل منهم حصالته ووقفوا أمامه فقال له الرئيس عبد الناصر أنه علم أبناءه أن الذي يتبرع لكنيسة مثل الذي يتبرع لمسجد وأن الأبناء عندما علما ببناء كاتدرئية صمموا على المساهمة فيها وطلب منه الرئيس قبول تبرعهم، وكان البابا قد اتفق على شراء أرض مارمينا فكان إجمالي تبرعات أبناء عبد الناصر يغطي مقدم ثمن الأرض ويزيد خمسة جنيهات هي أتعاب كاتب العقد، ليصبح من مفارقات القدر أن يكون أبناء عبد الناصر هم الذين اشتروا أرض مارمينا.

كما قام البابا كيرلس بزيارة الرئيس عبدالناصر عام 1965م وكان معه وفد من المطارنة لعرض مشاكلهم ومطالبهم عليه، وكانت الزيارة مثمرة فقد استجاب عبد الناصر لكيرلس ببناء الكنيسة وحضوره شخصياً لوضع حجر الأساس لبناء الكاتدرائية الجديدة بالأنبا رويس، بل أعلن يومها مساهمة الدولة بدفع 140 ألف جنيه كما أمر عبد الناصر بفتح كنيسة حدائق حلوان.

ويؤكد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل علاقة البابا كيرلس بالرئيس عبدالناصر فيقول كانت علاقة ممتازة وكان بينهما إعجاب متبادل وكان معروفاً أن البطريرك كان يستطيع مقابلة الرئيس في أي وقت يشاء وكان كيرلس حريصا على تجنب المشكلات وقد استفاد كثيرا من علاقته بعبد الناصر في حل مشاكل عديدة والتي يعد من أبرزها مشكلة بناء الكنائس الجديدة وكانت مشكلة حساسة حيث كان بناء الكنائس الجديدة لا يزال محكوماً بالخط الهمايوني”

ويضيف هيكل أنه تدخل لحل مشكلة كانت تؤرق البابا كيرلس وهي إقامة كاتدرائية جديدة، وبالفعل تدخل هيكل ووافق الرئيس جمال عبد الناصر وقرر على الفور مساهمة الدولة بنصف مليون جنيه في بناء الكاتدرائية الجديدة، وبالفعل تم بناء الكاتدرائية وحضر الرئيس عبد الناصر افتتاحها.

كما أن البابا كيرلس أصدر كتاباً بعنوان “دور الكنيسة في مؤازرة القضية العربية” وكانت مقدمة الكتاب خطبة الرئيس عبدالناصر في افتتاح الكاتدرائية الجديدة، وأنه بعد هزيمة يونيو 1967م عندما أعلن الرئيس عبد الناصر تنحيه، توجه البابا كيرلس على الفور على رأس وفد من المطارنة والأساقفة والكهنة إلى رئاسة الجمهورية وأعلن عن تمسكه وتمسك الأقباط بعبد الناصر، وحين استجاب الرئيس لنداء الشعب بالبقاء في منصبه أمر البابا كيرلس جميع الكنائس بضرب الأجراس وأمر على الفور خدام الكاتدرائية بدق الأجراس احتفالاً ببقاء عبد الناصر.

وكانت هناك محاولة الموساد الإسرائيلي الوقيعة بين البابا كيرلس والرئيس عبدالناصر بنشر خطاب مزور أرسله البابا إلى بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل يستعطفه فيه بتسهيل تحصيل ما يخص الأقباط من إيرادات شهرية في القدس، ويدعو البابا كيرلس في هذا الخطاب المزيف لبن جوريون بالنصر وأن يشتت من يقف في طريقهم، وقد زور هذا الخطاب راهب مطرود اسمه أرمانيوس الأنطوني، وكان خيط اكتشاف الجريمة بلاغا تلقاه قسم عابدين بمحضر رقم 163 وعندما علم البابا كيرلس أصابته دهشة شديدة، وقام بإبلاغ النائب العام فوراً، وكان تعليقه أن هذا الخطاب المزور جريمة عظمى لا تغتفر ليس في حق الوطن فقط بل في حق الكنيسة أيضاً التي لا يمكن أن تعترف بإسرائيل ولا العصابات الصهيونية، وأن المسيحية منذ أن وجدت وإلى الآن لا تعترف بإسرائيل كشعب ودولة وأن أي رجل دين مسيحي يكتب هذا الكلام يجب أن يجرد من رتبه تماماً مثلما يجرد من وظيفته.

ويشير الكتاب إلى رد فعل الرئيس جمال عبد الناصر عندما علم قال: إنهم يحاولون الوقيعة بيني وبين بابا الأقباط كيرلس.

ومن يومها ظلت العلاقة حميدة حتى بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وتولي الرئيس السادات كان البابا كيرلس يذكر عبدالناصر بكل خير وليس أدل على عمق الرابطة التي كانت تربط الرئيس جمال عبد الناصر كزعيم سياسي والبابا كيرلس كأب روحي للأقباط من أن إذاعة صوت أمريكا قالت يوم وفاة البابا:

” لقد توفي الصديق الوفي لعبد الناصر”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.