الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

التنوير بعد سنوات التأخير..

0 95

تقرير- غادة قدري

قبل خمسة أشهر فقط من الآن لم يكن متاحًا في السعودية، ظهور امرأة تغني على شاشات التلفزيون أو في حفلات حية على المسارح، ولعقود طويلة لم يكن مسموحًا للسيدات بالتحرك والسفر دون إذن ولي الأمر، بل كانت النساء ممنوعات من حضور مباريات كرة القدم، و من قيادة السيارة، ومنعت السلطات الدينية في المملكة الكثير من مظاهر الثقافة والفن، ولم تسمح بوجود دور السينما والمسارح، وفصلت بين الرجال والنساء في الأسواق والمطاعم والمدارس والجامعات ..

 

ولكن دوام الحال من المحال فقد تعهد رجل السعودية الشاب والقوي، ولي العهد محمد بن سلمان بمملكة جديدة معتدلة ومتحررة، بل أنه قيّد سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتقل عدد من دعاة التشدد  البارزين هناك أمثال سلمان العودة، وعوض القرني، وسمح للنساء بقيادة السيارات وحضور مباريات كرة القدم، وسمح بإذاعة أغنيات كوكب الشرق وفيروز وغيرهن على شاشات التلفزيون،

ومؤخرًا دعت هيئة الترفيه السعودية الموسيقار العالمي “يانّي” لإحياء 4 حفلات موسيقية في مدينتي جدة والرياض، تلك الدعوة التي وصفها يانّي بـ”نقطة تحول في تاريخ البلاد”،

 

واستقبلت لأول مرة السعودية منذ ما يقرب من أربعة عقود،  البطريرك اللبناني مار بشارة بطرس الراعي والتي تعد زيارة تاريخية إذ أنها الأولى لرجل دين مسيحي يلتقي الملك وولي العهد، ما يعني دعوة صريحة من السعودية للانفتاح وتقبل الآخر.

وتصف الصحافة الآن ما يحدث في المملكة الآن بالخطوة التي تتماشى مع تطلعات مجتمع سعودي شاب. فهل هذا يعني أن السعودية في طريقها إلى تصدير التنوير والثقافة إلى جيرانها؟

للإجابة عن هذا السؤال التقت “الهلال” الدكتور أحمد قران الزهراني، أستاذ الإعلام بكلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، والذي فرق بين عهدين مرت بهما السعودية أولهما قبل 1979، والعهد الثاني بعد هذا التاريخ حيث حادثة الحرم الآثمة  التي قام بها رجل متطرف يدعى جهيمان العتيبي،

وألقى الزهراني اللوم على تلك الحادثة في إنغلاق المملكة، حيث كان المجتمع السعودي متصالحًا مع نفسه ومحيطه ومتقبلًا للتطورات الحضارية الجديدة فكان يذهب إلى السينما في جدة والطائف وبعض المدن وكانت المرأة ترتدي ملابس عادية ولم يكن أحد يتعرض لها وبعد وقوع حادثة الحرم تغير المجتمع كلية واتجه إلى الانغلاق.

وتابع الزهراني : “الانغلاق والصراع  في المملكة اتجه بين تيارات فكرية بعضها يريد اللحاق بالمجتمعات الغربية التي تتطور بسرعة فائقة وبعضها يحذر من الغزو الفكري وتأثر المجتمع بثقافات جديدة لا تتفق وتعاليم الدين الإسلامي كما تعتقد، فكان الصراع الفكري في جانب وتطور المجتمع في جانب آخر حيث الابتعاث الخارجي لطلاب وطالبات من كافة التخصصات وفي أكثر الدول انفتاحا وديموقراطية وحرية وكان الانفتاح الفضائي من خلال القنوات الفضائية والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وهنا تميل الكفة الى الانفتاح بشكل كامل على المستجدات بكل أبعادها”.

وعن القرارات الجريئة والشجاعة قال “الاستمرارية في التطور الذي شهدته السعودية خلال العشر سنوات الماضية يحتاج إلى شجاعة لفتح ملفات لم يكن من السهولة القرب منها فكان قرار الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان بالسير إلى الأمام بسرعة كبيرة وعدم العودة إلى نقطة ما بعد عام 1979 لهذا كانت القرارات الشجاعة التي أعطت المرأة حقوقًا كانت مسلوبة وقرارات شجاعة في محاربة الفساد وقرارات شجاعة في السير نحو أفق أكثر جرأة بإنشاء قاعات سينما وإقامة حفلات غنائية وأنشطة فنية وبناء اقتصاد متين يعتمد على الكوادر البشرية السعودية وعلى الاستثمارات ومن ذلك الاستثمار في المدن الجديدة التي ستكون نقلة نوعية على مستوى العالم”..

أما عن تأثير المملكة التنويري الذي سينعكس على جيرانها يرى الزهراني أن المملكة تسير على الطريق الصحيح، الأمر الذي سيؤثر على دول الجوار بشكل إيجابي لينتقل العالم العربي الى مرحلة جديدة من التحرر من قيود وضعها المجتمع على نفسه دون سند ديني أو اجتماعي.

طالما كانت أرض الحجاز واحدة من المناطق التي ساهمت في صنع التاريخ والثقافة والإرث الإنساني، هذا ما قاله ولي العهد السعودي أثناء مشاركته في جلسة حوارية من منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي استضافته الرياض الشهر الماضي،

أراد ولي العهد أن يسوق أفكاره على أنها تتسق مع التراث السعودي حين قال “نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان وعلى جميع التقاليد والشعوب”، مضيفا “70 % من الشعب السعودي أقل من 30 سنة، وبكل صراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا”.

الطفرة التي لم تكتمل

كان الملك فيصل والذي صعد إلى سدة الحكم في المملكة العربية السعودية في فترة السبعينيات قد أسس لمرحلة يعرفها المواطنين السعوديين جيدًا تحت مسمى “الطفرة” تزامنت تلك الفترة مع زيادة عائدات النفط الذي كان قد اكتشف حديثًا، كان يحلم  بتقديم دولة منافسة للجمهوريات العربية في الخارج، فتم تدشين الخطة الخمسية الأولى التي بدأت عام ١٩٧٠ تحت مسمى “الطفرة” وحتى اغتيال الملك عام 1975  شملت تلك الطفرة كل نواحي الحياة بما في ذلك الفنون والمسرح والسينما والغناء.

 

لكن يبدو أن تلك “الطفرة” لم تعجب التيارات الدينية التي كانت تخطو خطواتها الأولى داخل المملكة، فالعقد ذاته كان  عقد نشوء وتشكل الجماعات الإسلامية في السعودية، حيث تسلل المد الديني داخل المملكة بسبب خوف من المد الناصري، لقد تركوا لرجالات الدعوة الإسلامية الحرية الكاملة، حتى ظهر تيار يسمى “الصحوة السعودي” الذي شن حربًا لا هوادة فيها في الفترة بين 1980 و2000 ضد الشعراء والفنانين والسينما والمسرح والتلفزيون بشكل عام،

نشأت تلك الحركة بدعم من مجموعة علماء إبان حراكهم الدعوي لإيقاظ الناس من غفوتهم حسب وصفهم، بدأ مصطلح الصحوة في الظهور في حقبة الثمانينات الميلادية على يد عدد من الاشخاص في ذلك الوقت من أمثال سلمان العودة  وعائض القرني وسفر الحوالي وناصر العمر وسعد البريك.

السينما والغناء في المملكة

بعض الحقائق قد تصدم، خاصة حينما يتعلق الأمر بـ”الاعتدال”  في السعودية فخلف مظاهر التحرر التي يقودها الأمير محمد بن سلمان اليوم، تاريخ طويل من الحجب والمنع والتحريم، هذا ما قاله الصحفي والمؤرخ الفني اليمني علي فقندش،  لافتًا: “مكة المكرمة تحديدًا حيث كانت للثقافة جوانبها المهمة في كل ما يرتبط بالحياة اليومية والموسيقى والإنشاد، التي هي حب أهل الحجاز الأول وعشقهم حتى كان لهم “مقام الحجاز” الأساسي في مقامات الموسيقى الذي تُبنى عليه كثير من غنائياتهم”

وفي لقاءه بمجلة “الهلال” أوضح فقندش أن الأجيال الحالية لن تصدق ما كانت عليه السعودية من اعتدال، كان المجتمع طبيعيًا، كانت الناس تذهب إلى “أحواش السينما” وهي أماكن مفتوحة لعرض الأفلام المصرية والهندية،  كما أنجبت المنطقة العديد من الفنانات والمطربات، وساهمت شخصيات سعودية في صناعة السينما المصرية أمثال المنتج الراحل فؤاد جمجوم، والذي أنشأ مع عائلته أول دار سينما فـي المملكة قبل  47 عامًا.

ويذكر فقندش أن جمجوم أنتج بصورة منفردة العديد من أشهر أفلام السينما المصرية مستفيدًا من عودة حركة الإنتاج السينمائي إلى القاهرة في بداية السبعينات بعد أن تحول الإنتاج إلى بيروت، ودمشق بسبب نكسة 1967.

وفي الأعياد كانت سينما فؤاد جمجوم تدعو كبار الفنانين إلى السعودية مثل فريد شوقي، وفؤاد المهندس وأحمد رمزي وشويكار وماجدة الخطيب وحسن مصطفى وكانوا يقومون بالدعاية من خلال هؤلاء النجوم الذين كانوا يقفون لبيع التذاكر للجمهور السعودي بأنفسهم.

وحتى نهاية عام 1979 بث التلفزيون السعودي أغنيات لكوكب الشرق أم كلثوم، ونجوم آخرين مثل فايزة أحمد، وسميرة توفيق، ونجاة الصغيرة، وفريد الأطرش، حتى أن سميرة سعيد ظهرت في بداياتها عبر التلفزيون السعودي ضمن حفلات غنائية في السبعينات وكانت تظهر بالزي المغربي على المسرح ، فضلا عن فرق الفنون الشعبية السعودية وفنانات ومغنيات السعودية الأصليات مثل توحة وابتسام لطفي التي منحها أحمد رامي لقب كوكب الجزيرة وشادية العرب ولحن لها رياض السنباطي.

وذكرصاحب كتاب “الأغاني.. قصص وحكاوي” أنه التقى بالمطربة السعودية توحة التي روت له أنها تعلمت على يد أستاذتها فاطمة إبراهيم بشيت، وكان لفاطمة بشيت اسم شهرة عُرفت به في كل أصقاع الحجاز وهو “كاكا” أو الخالة “كاكا”.

وعدد فقندش عدة أسماء مطربات حجازيات أخريات مثل زهرة بنت سمر الدين، وعطية عبدالله الحضرمي، وفاطمة عمارة، وزينب دنقاشية، وحليمة بنت سرور، ومعتوقة بنت سعدالله، ومنسية بنت عبدالله، وصفا عيادة، وعائشة حوطية، وفاطمة حوطية. وكلهن من مغنيات مكة المكرمة الراحلات.

عهد التحريم

في حوار تلفزيوني مثير أجرته  قناة MBC  الشهر الماضي كشف الكاتب والأديب السعودي عبده خال، الحائز على جائزة بوكر، أنه كان على وشك أن يصبح إرهابي بعد انضمامه لجهيمان العتيبي لولا منع شقيقه له من الخروج من المنزل بسبب صغر سنه في ذلك الوقت، لكن مع مرور الزمن تغيرت أفكاره وأدرك الحقيقة  موضحًا أن قبل جهيمان كانت الحياة تسير طبيعية وبعده جاء تاريخ حافل من التشدد، إذ كسرت أدوات الغناء وتناقل الناس تكبير المحتسبين وصياحهم على تحطيم عود، كان جهيمان ينعم بانتشار رسائله، وعم الظلام في كل مكان وأول جهة كانت التلفزيون فأفاق الناس على عاصفة من التحريم تضافرت حتى حولت المجتمع لبؤرة باحثة عن تحريم كل مناشط الحياة.

“الصحوة” التي غيّبت السعودية

وبعدما كانت صور كل من يغني تكسو الأسطوانات المباعة وواجهات المحلات في المملكة، تغيرت الأمور فجأة في يوم 20 نوفمبر عام 1979 إذ قام مجموعة من الشباب- تتراوح بين 200 إلى 300 شخص- باقتحام الحرم المكي بقيادة رجل يدعى جهيمان العتيبي، وأعلن ساعتها وسط المعتمرين المحتجزين أن زميله- وكان رجلا يقف بين الركن الأسود ومقام إبراهيم ويدعى (محمد عبدالله القحطاني) هو المهدي المنتظر، أسفرت تلك الحادثة عن مقتل مئات الأشخاص على مدار أسبوعين كاملين داخل الحرم، ويعتبرها البعض حادثة أسدلت الستار على عهد الفنون والموسيقى وظهور المرأة، إذ صدر أمر ملكي عقب تلك الحادثة يمنع النساء من الظهور في التلفزيون لفترة قصيرة، وبعد ذلك تم منع ظهور النساء في التلفزيون خلال شهر رمضان، ومنعت المطربات من الظهور نهائيًا.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.