الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الجنس في المسيحية …. الشر الأعظم

0 122

تراث الأقباط الفكري والفعال يأتي بصورة محورية أساسية من الرافد الرهباني . وهو رافد يفزع من المرأة  وبالضرورة من الجنس .حيث يعد الوقوع في خطيئة الزنا هو الشر الأعظم والخطيئة المعرفة ب ” ال ” ويتفق هذا مع الفكر الشرقي والصحراوي على السواء لذلك تحتل أقوال الآباء التي تحذر من هذا السقوط وفي كتاب بستان الرهبان هناك مقولة ” رجل وامرأة معا عنزة وأسد “، ومحور الأقوال والقصص أن الرهبنة أفضل للوصول إلي الآخرة من الزواج مكانة كبيرة وحتى الآن يتراكم في الذهن المسيحي النظر للجنس في الزواج نظرة دونية.

وعلى سبيل المثال نجد تأملا للقديس غريغوريوس النيسي عن قصة يوسف الصديق والتى تعد نموذجا مكررا في الأديان الثلاثة حول الإغواء منطلقا من  وصية بولس الرسول “اهربوا من الزنا” (الرسالة الأولى لكورنثيس 18:6) يقول فيه “هذا الأمر يُذكرني الآن بذلك الشاب يوسف، الذي رفض بوقار وعفة بذاءة المرأة المصرية، وأظهر شجاعة بواسطة الهروب منها. على الرغم من أنه كانت هناك أمور كثيرة تعمل على إغوائه، مثل محبة الشهوة المرتبطة بالسن، نير العبودية، المغازلة العشقية من سيدته، الإغواء بالعلاقة الفاسقة، والتحريض على السلوك المحرم”.

والكتاب يقول: “إنّ يوسف يوم ما دخل البيت ليعمل عمله ولم يكن إنساناً من أهل البيت هناك في البيت. فأمسكته بثوبه قائلة: اضطجع معي. فترك ثوبه في يدها وهرب إلى خارج” (تكوين 39).عظيمة هي قيمة العفّة، إذ أن سيدة البيت جعلت نفسها عبدة لعبدها. بينما كان يوسف يتوسل إليها، كانت السيدة تستعطفه قائلة: “اضطجع معي”لقد كان سهم الزنا ملتهباً ولكنه لم يجد داخل النفس مادّة يمكن أن تشتعل، بل انطفأ داخل ثوبه الذي أمسكت به الشهوة الرديئة وصرخت: “اضطجع معي”.كانت السيدة تتأوّه من جوع الشهوة الجنسية، ولكن أذني الشاب العفيف أُغلقت أمامها. الصوت صرخ قائلاً: “اضطجع معي”، لكن عفة الشاب أجابت بحسم قائلة: “اسهروا معي” (مت 26: 38) – عبارة تُظهر السهر واليقظة من خلال الفعل. مثل هذه اليقظة لم ترتخ بالمغازلة، وذهنه لم ينثنِ أمام التوسلات. السهر على ضبط النفس لم يغلبه النعاس، ولم يضعف من جراء الالتماسات الملحة. لم يصر أسيراً لجمال الشكل وزينته، ولم يتأثر بمداعبة كلمات العشق. إلا أنه بالرغم من ذلك، كان صوت السيدة يتملقه بشكل لاذع قائلاً: “اضطجع معي”. لقد وقف الشيطان مُستعداً ليقوده للزنا، وارتدى ملابس زانية وتطابق معها بإحكام، ولكنه لم يعلم أنه يحارب مُصارع مُتدرب على العفة – تلك التي تخلع عنه ثوبه. لأن الكتاب يقول: “فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج”. كم هو أقدس بالنسبة له أن يكون من دون هذا الثوب!.

ويحتفي التراث القصصي المسيحي بعدد من التائبين عن طريق الخطيئة العظمي من ذلك نجد قصة ” مريم المصرية ” هي مصريّة الجنسيّة. عاشت في الإسكندريّة، بعد أن تركت والديها وهي في سن الثانية عشرة وأسلمت نفسها للدّعارة. وعاشت حياة إباحيّة عارمة ولم يكن ذلك ابتغاءً للربح، بل عشقاً للفجور. عاشت على الحسنات، وكانت تستعطي، وأحياناً تعمل في غزل الكتّان. كانت ذات رغبة جامحةٍ وشوقٍ لا يكبح للتمرّغ في النجاسة.وابتغاء امتلاك عشّاق جدد، وإرضاءً للشّهوة، هاجرت مريم إلى القدس مع مجموعةٍ من الحجّاج الذاهبين إلى أورشليم لرفع الصليب المحيي. وفي أثناء الرحلة، أغوت الكثير من الشباب والرجال، فكانوا ضحيّة نجاستها.ولمّا حلَّ اليوم المقدَّس لرفع الصليب، وفيما كانت مريم ناشطة في اصطياد الشبّان، لاحظت أن الجميع يتسارعون إلى الكنيسة فانضمّت إليهم. فلمّا دنت ساعة رفع الصليب المقدّس حاولت أن تشقّ طريقها عبر أبواب الكنيسة إلى الداخل كبقيّة الناس. وبصعوبة تمكّنت من حشر نفسها بينهم حيث كادت أن تبلغ مدخل الكنيسة من حيث كان عود الصليب المحيي يبان للعيون. لكن ما إن وطئت عتبة الباب حتّى شعرت بقوّة حالت دون دخولها. الكلّ كانوا يدخلون إلا هي. حاولت الدخول من جديد لكن عبثاً. بدت غير مرغوب فيها.

بعد عدّة محاولات، لم تجد مريم طريقاً يوصلها إلى الدّاخل، فوقفت في إحدى زوايا الرواق. فقط، إذ ذاك، وبصعوبة فائقة، فطنت إلى السبب الذي حال دون السّماح لها برؤية الصليب المحيي. فقد لمست كلمة الخلاص، برفق، عينيّ قلبها وكشفت لها أنّ حياتها الدنسة هي التي منعتها من الدخول. أخذت تبكي وتنتحب وتتنهَّد من أعماق قلبها. وإذ رفعت رأسها قليلاً، وقع نظرها على أيقونة والدة الإله الكليّة القداسة، فتحوّلت إليها قائلةً: “أيّتها السّيّدة، والدة الإله، يا من ولدت بالجسد الإله الكلمة، أنا أعرف، وأعرف جيّداً، إنّه لا يشرِّفك أن يرفع إنسان فاسد، عينيه إلى أيقونتك، يا دائمة البتوليّة، يا من حَفِظَتْ جسدها ونفسها نقيّين. إنّي لَعَنْ حقّ أقرف من نفسي تجاه نقاوتك العذراويّة. لكنّي سمعت أنّ الله الذي ولد منك. إنّما تجسّد ليدعو الخطأة إلى التّوبة. فساعديني، إذاً، فلا معين لي سواك. مُري أن ينفتح مدخل الكنيسة أمامي. إسمحي لي أن أعاين العود الكريم الذي عليه تألّم بالجسد من ولد منك وبذل دمه المقدّس لافتداء الخطأة وإيّاي أنا غير المستحقّة. اشهدي عليّ أنّي لن أُنجِّس جسدي، بعد اليوم، بدنس الدّعارة، بل حالما أسجد لعود الصليب سأنبذ العالم وتجارب العالم وأتوجّه إلى حيث تقودينني”.

 

هكذا خاطبت مريم والدة الإله، واتّجهت من جديد للدّخول إلى الكنيسة، فتقدّمت إلى الأبواب التي لم تتمكّن من بلوغها قبل ذلك. دخلت دون صعوبة. عاينت العود المحيي وألقت بنفسها على الأرض وسجدت وقبّلته. بعدها اتّجهت نحو أيقونة والدة الإله وخاطبتها قائلة: “أيّتها السّيّدة الودودة، لقد أظهرتِ لي محبّتك العظيمة. فالمجد لله الذي يقتبل بك توبة الخطأة. ماذا بإمكاني أن أتفوَّه بأكثر من هذا، أنا الغارقة في الخطيئة؟ لقد حان، يا سيّدتي، أن أُتمّم نذري كما وعدت. فقوديني على درب التّوبة”. على أثر ذلك سمعت صوتاً من السّماء يقول لها: “إذا عبرت الأُردنّ تجدين راحةً مجيدةً”.وختمت حياتها في الأردن بالصلاة والتعبد حتى نالت المغفرة.

وعلى منوالها قصة “موسى الأسود” الذى كان قاطع طريق وغارقا في الجنس حتى التقى براهب أرشده لحياة التوبة وقد نال إكليل الشهادة والقصتان تكشفان أن طريق النجاة من الجنس هو الرهبنة.

انصهار الاثنين

يقول الدكتور القس بيشوي حلمي إن الجنس عند الإنسان كمـا أراده الله يهـدف إلى تحقيق التكامل والاتحـاد بيـن الزوجيـن وانصهار الاثنين معاً، فـى شركـة ومحبـة حقيقية… أى يهدف إلى إلغاء الفـرد وذوبانـه  داخل شريكه… وهذه الشركة هـى الحـل الحقيقـى لمشكلة الفراغ الداخلى الذى وجد فيه آدم نفسه… ولهذا قال الله: “أصنع له معيناً نظيره” (تك 18:2). هـذا الاتحـاد بيـن الرجـل والمرأة يهدف إلـى تكويـن أسـرة صغيرة، تكون هـى النـواة الأولـى التـى فيهـا تنمـو براعـم الحـب والتكامــل فـى حـدود الزوجين والأولاد، إلى أن تتسع الدائرة لتشمل البشرية كلها.

والمسيحية تحترم جداً المعاشرة الجنسية حين تكون داخل الدائرة الشرعية، من خلال سر الزواج المقدس.. وتنظر إلى الجنس نظرة مقدسة. أما الدكتور القس يؤانس لحظي المترجم الخاص باللغة العربية للبابا فرنسيس بابا الفاتيكان فيقول بخصوص ” الجنس في المسيحية ” هناك أفكار يجب التحرر منها:

 

1 – الجنس نجاسة وفسق: كفانا خداعا لأنفسنا فالجنس ليس خطيئة ولا نجاسة متى اقترن بالحب وبالروح، وهو نجاسة ورذيلة فقط إذا اقترن بالشهوة والغرائز الحيوانية (الموجودة داخلنا). فيمكنني أن أرى في المرأة جمال الخالق ويمكنني أن أرى فيها مجرد جسد لإشباع رغباتي، يمكنني أن أرى في الرجل سندا وعضدا أو مجرد وسيلة للتسلية وللعب… فالشهوة هي التي تقود إلى الخطيئة وهي التي تحدد حكمي على نفسي وعلى مستواي الإنساني ونضجي الروحي، فليس المهم فقط إلى ماذا أنظر ولكن كيف أنظر؟ فالحل لا يكمن في تغطية النساء وإغلاق القنوات الإباحية واعتقال فتيات/فتيان الليل، بل في تغطية عيني بلباس النضج، وإغلاق قنوات الإثارة في داخلي، واعتقال رغبتي السرية في الفجور.

فالجنس هو نعمة الله على البشر، والتي من خلالها يشاركونه الخليقة، ومن خلاله يختبرون، في المحبة الحقيقة، كجزء من السعادة السمائية، حيث “خبرة الوحدة التامة” بلا نهاية. ونقصد بالوحدة التامة العودة إحياة البرارة الأولى حيث لا شيء يعكر أو يدنس علاقة الرجل بالمرأة لأن لا شيء يعكر علاقتهما بالله. فالخطيئة هي اختبار “التمزق” والنعمة هي اختبار “الانسجام والوحدة”.

2- الجنس مرض الرجال فقط: يعتقد البعض خطأً أن الإباحية والجنس والعنف هي مواضيع تخص الرجال فقط، وهذا أمر غير صحيح، فحتى لو كانت ثقافتنا الشرقية تمنح الرجل مساحة أكبر من الحرية وتسمح له أحيانا أن يعبر عما يشعر، وأن يتصرف كيفما يريد، لاسيما إن كانت تصرفاته لا  تسبب إزعاجاً لأحد، إلا أن قصر المشكلة الجنسية على الرجال فقط هو أمر خاطئ جملة وتفصيلا. فالجنس هو جزء أصيل من الوجود البشري وهو يخص الرجل بقدر ما يخص المرأة، ويهم كليهما بنفس الطريقة والأهمية لدرجة أن المشاكل التي يعاني منها الرجال هي في الغالب نفس المشاكل التي تعاني منها النساء، والتجارب التي يُحَارب بها الرجال هي نفسها التي تُحَارب بها النساء، لأن موضوع الجنس عند الرجل هو “المرأة” وموضوع الجنس عند المرأة هو “الرجل”.

3- الحلال والحرام: يقوم مفهوم الحلال والحرام على عقلية ضيقة تريد أن تتصرف بطريقة “حسابية/فريسية” أي بمعاملة الله وكأنه “كاتب المحكمة” الذي يسجل الحسنات والسيئات ويمسك بيديه الميزان… وهنا نؤكد أن هذه الأفكار غير مسيحية، قد تعلمناها للأسف من الثقافة المحيطة بنا، فأصبحت جزءاً من تركيبتنا الثقافية والدينية، وأصبحنا نعيشها وكأنها جزء أصيل من “إيماننا”ولا نقف حتى أمامها لنتساءل… وبما أن أخطر أنواع الأمراض هي تلك التي تصيبنا ولا نعرف بوجودها، لأنها أحيانا لا تسبب آلاماً مباشرة، فتنخر فينا وتحطمنا ولا ندري بها إلا عندما يكون الوقت قد مضى ولا يمكننا معالجتها، فمرض الحلال والحرام هو واحد من تلك الأمراض المستعصية التي تضرب في كياننا المسيحي القبطي وتجعلنا ننظر إلى كل شيء بطريقة حسابية، متناسين أن المسيحية هي دعوة للحرية: “لقد دعيتم إلى الحرية” كما يؤكد القديس بولس، هي الإيمان بأن “ليس كل ما يدخل الفم ينجسه بل ما يخرج منه”، هي دعوة لغسل الوجه لكي لا نظهر للناس أننا صائمون، هي التأكيد على أن يدنا اليسرى لا تجب أن تعرف ما نقدمه باليمنى… هي اليقين بأن الشرائع والقوانين خلقت للإنسان وليس العكس، هي قبل كل شيء الارتفاع بالقلب إلى محبة الله والقريب: “أحبب وافعل ما تشاء” لأنك إن أحببت حقا لن تفعل إلا الصواب.

وهنا أدعو إلى الكف عن التساؤل: “هل هذا حلال أم حرام؟” ولنتعلم أن نسأل أولا: “هل هذا نافع للبنان أم ضار؟، هل هذا الشيء أو هذا التصرف يزيدني نضجا وارتفاعا أم يحط بي ويقلل قيمتي أمام نفسي وأمام الله وأمام الآخرين؟”. فما أسهل عمل قائمة بالمحرمات والمحللات ولكن إيماننا يطالبنا أولا وقبل كل شيء ببناء ضميرنا ليصبح هو الحكم الذي تضيئه شريعة الله والقائد الذي يرانا حيث لا يرانا أحد. “كل شيء يحل لي ولكن ليس كل شيء ينفع، كل شيء يحل لي ولكني لن أدع شيئا يتسلط علي. الطعام للبطن والبطن للطعام والله سيبيد هذا وذاك. أما الجسد فليس للزنى بل هو للرب والرب للجسد. وإن الله الذي أقام الرب سيقيمنا نحن أيضا بقدرته آمين”  (ا كو 6 : 12 ـ 14)

 

4- التساهلية: من أخطر الأمراض الروحية التي تصيبنا هي “التساهُلية” أي قول: “طنش، هو يعني إيه المشكلة، يعني هو أنا أحسن من غيري”… فالمجرب يعمل دائما على تبسيط الأمور أمامنا كما فعل في القديم مع حواء، يقول الكتاب: “وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله. فقالت للمرأة: أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟” (تك 1:3). كما فعل مع السيد المسيح في الثلاث تجارب: “إن كنت ابن الله فحول الحجر إلى خبز (فما المشكلة؟)”، “إن كنت ابن الله ألق بنفسك فالملائكة تحملك (فما المشكلة؟)، إن كنت ابن الله اسجد لي وسأعطيك كل ممالك الأرض (فما المشكلة؟). وهذا يعلمنا أن التجارب دائما تأتي بطريقة “منطقية” وتحت شعار: “وإيه يعني، أجرب، فما المشكلة”…وهنا يجب أن نتعلم من المسيح أن الأسلوب الوحيد الناجح للتغلب على التجربة هو “عدم الحوار مع المجرب”، الهرب منه لأنك إن حاورته غلبك وإن ناقشته أقنعك وإن تكلمت معه أسقطك… تعلم أن تقول له: “اذهب عني أيها الشيطان”، ولا تحاوره إن كنت تريد الانتصار عليه. حاورت حواء فسقطت وسقط معها الجنس البشري، رفض المسيح الحوار فانتصر ناصرا معه كل إنسان. ولكن نصرة الإنسان، أي إنسان، تعتمد على اختياره ومشاركته، المسيح غالبا ما لا يقدم الشفاء بل الدواء لمن يريد أن يشقى.

 

5- التحرر من اتهام الآخرين للتهرب من المسئولية: التحرر من التحجج بالآخرين، وبالحرية، وبلباس النساء المتبهرجات، وبتصرفات الشباب المتبجحين، وبشبكة الإنترنت الشيطانية، وبأصدقاء السوء، وبضغوط الحياة، والبطالة عن العمل… كفاك تحججاً بالظروف الخارجية، التي وبرغم أهميتها، لا تسلبك حريتك، بدون إرادتك. فنحن غالباً ما نتخلى عن حريتنا تهربا من المسئولية، ثم نبكي العبودية (كالابن الضال). فما أغرب الحرية البشرية: أنت حر لدرجة أنه بإمكانك التخلي حتى عن حريتك. ولهذا يصرخ القديسون: “أيتها الحرية ما أثقلك من نعمة، وما أخطرك من عطية”. أنت حر في قراراتك وفي التزاماتك وفي اختباراتك. أنت حر في تصفح صفحات الإنترنت الإباحية أم لا، أنت حر في سماع الأحاديث السيئة أو عدم سماعها، أنت حر في المشاركة في تلك الأحاديث وتلك “الصحبة” أو لا، أنت حر في جعل نفسك ناضجاً أو في حرمان نفسك من الوصول للنضوج. فالنضج الإنساني هو ثمرة الاختيارات المسئولة، ومكافأة المجهودات المستمرة، وابن الإرادة القوية. وهنا نؤكد أن “ثمة فرق شاسع بين الحرية والإباحية، لأن الإباحية هي الاستغلال السيئ للحرية، أما الحرية في المسيح فهي قداسة وسمو وانتصار، ولخطورة الأمر يحذرنا الوحي الإلهي على فم بولس الرسول من الاستغلال الخاطئ والسيئ للحرية، قائلا: “لا تصيروا الحرية فرصة للجسد” (غل 5: 13)، وذلك لأنه متى صارت الحرية في حياتنا لحساب الجسد، فحتماً ستقودنا إلى الانحلال والانحراف عن الحق والوصية المقدسة وتبعية المسيح”. لا تفعل كآدم فتلقي اللوم على حواء، ولا تفعلي كحواء فتلقين اللوم على الحيوانات، فلا حواء ولا الحيوانات هم السبب في سقوطك بل أنت المسئول.

 

6- المظهرية: تقوم المظهرية على الرغبة الطفولية في جعل الآخرين يفهمون أني أفضل مما أنا فعلا، وهذا دليل على أن ثقتي في ذاتي لا تنبع من ذاتي بل من نظرة الآخرين لي، وهذه الحالة المرضية المنتشرة، للأسف الشديد، تدفع بالأشخاص لفعل “أي شيء” المهم “ماذا يقول الناس عني”. تحرر من هذا المرض وابنِ ثقتك على نظرتك لذاتك ونظرة الله لك، فهو وحده الذي يعرف حقيقتك مهما أخفيتها عن الآخرين، وهو وحده يحبك كما أنت لأنك خليفته. لا تسقط في هذا البئر الذي لا نهاية له وتذكر قصة (جحا والحمار) فالبشر يصعب إرضاؤهم وكلما قدمت لهم كلما طلبوا المزيد. فيجب أن تهتم بمظهرك وبسمعتك وبنظرة الناس لك ولكن لا تجعل من هذا الأمر الأهم في حياتك. فما أمر وأثقل من الحب والاحترام الذي نحصل عليه عن طريق خداع الناس، وما أعذب وأرق من الحب والاحترام اللذين نحصل عليهما كثمرة لاحترامنا لذواتنا وللآخرين.

 

7- الخفاء والعلانية: يظن كثيرون أن الخطيئة تصبح خطيئة عندما يعرفها الآخرون، فكل الأشياء والأفعال التي نقوم بها هي مقبولة ولا تسبب لنا أي إزعاج ضميري عندما لا يعرف بها أحد. وهذا أكبر دليل على وجود نوع من “انفصام شخصية” نحياه كثمرة لثقافتنا التي تعلمنا أن العيب يصبح عيبا عندما يعرفه الآخرون، وهذا بالطبع مقياس حقير ودليل أكيد على شخصية كاذبة ومنافقة تحيا وراء الأقنعة. وهنا نؤكد أن السيد المسيح لم يكن “عنيفا” مع أحد بقدر ما كان مع الكتبة والفريسيين الذي يحيون هذه الازدواجية الإيمانية، فلا يدخلون ولا يدعون الداخلين يدخلون، يحرّمون البعوضة ويبلعون الجمل… ويمكننا القول إن أكثر الأشياء المقززة لله هي الازدواجية الحياتية، فالله يعرف عنا كل شيء لأنه “فاحص القلوب والكلى”، فقد نخدع حتى أقرب الناس لنا ونظهر لهم أننا شرفاء وعفيفين ونزهاء ولكننا لا يمكن أن نخدع الله أو ضمائرنا إن كانت مازالت حية. فتحرر من كل الأشياء والأعمال التي تفعلها في الخفاء وتأكد من أن هذا سيكون بداية طريق النضج الحقيقي، وبداية البركة في حياتك. تحرر من الأقنعة إن أردت أن تحيا كابن للنور.

 

وتقول الدكتورة فيولا موريس في دراستها عن: “العلاقات الزوجية …والأفلام الإباحية” إن الإدمان يحدث تدريجياً فهو يبدأ بنوع من حب الاستطلاع وذلك للتعرف علي عالم الجنس وما يقدمه من صور ومناظر مليئة بالإثارة. ومع الوقت لا يستطيع الشخص مقاومته فيفقد القدرة على السيطرة على منع نفسه من مشاهدة هذه المواقع، إذ يدخل الشخص في مجال مختلف يشعر وكأن هناك سيطرة حدثت له أمام النت، وقد وصف بعض الأشخاص أنفسهم بأنه حدث لهم نوع من الاندماج أو التوحد مع أفلام البورنو، وكـأن الجسد انفصل عن العقل وأن شيئاً ما حدث لجسدهم عند مشاهدتهم لهذه الصور والمناظر، وأحياناً يشعرون بنار قوية تشتعل في جسدهم إذ تتلاحق في ذهنهم كل الخيالات التي يشاهدونها فيحدث لهم نوع من الوسواس الذهني المتلاحق فلا يدور في ذهنهم إلا الجنس وهكذا يصبحوا أسرى للجنس.  وفي الواقع فإن الحواس والتي هي مداخل ندرك بها العالم الخارجي ترسل رسالة للمخ تتحول بدورها إلى شفرة كيميائية، هذه الشفرة تحدث انطباعاً على خلايا الذاكرة، وإن هذه البصمة المتكررة تجعل المخ يرسل للأعضاء الجنسية الصور المرئية، ومن هنا تبدأ محورية الجنس.  كما أن تكرار مشاهدة مثل هذه الأفلام يحدث نوعاً من المردود المتناقض، بمعنى أن يقع الشخص في الحاجة الماسة إلى المزيد من هذه المناظر، ويظل في حالة عدم إشباع مستمر، وهكذا يسقط في دائرة مفرغة من رؤية المناظر وعدم الإشباع ومزيد من الرؤية، وهكذا.

 

وتشرح الدكتورة فيولا الآثار النفسية لهذا الإدمان: هناك عدة تأثيرات نفسية مدمرة نتيجة مشاهدة هذه الأفلام ومن أهمها هو عدم احترام الشخص لذاته، فهو يشعر بتأنيب الضمير المستمر، وقد يؤدي ذلك إلى احتقار الشخص لنفسه، وهو ما يصيبه بالشعور بالذنب وهو من المشاعر السلبية المدمرة.  كما أن عدم قدرة الشخص على ضبط النفس يؤدي به إلى الشعور بالضعف وعدم الثقة وعدم القدرة على السيطرة علي حياته بالكامل، سواء من حيث دقته أو أفكاره التي تلوثت بمثل هذه الصور التي طبعت على ذاكرته. وقد قال أحد الشباب إنه بسبب إدمانه للبورنو أصبح يرى كل الفتيات وكأنهن عراة تماماً أو كأنه يشاهدهن وهم تحت أشعة الـ Ray) (X- بما فيهم أمه وأخواته، وهذا الأمر يسبب له ألماً نفسياً بالغاً.

 

من الإثارة المدمرة أيضاً لمثل هذا النوع من الإدمان عزلة الشخص الاجتماعية وفقدانه القدرة على التواصل مع الآخرين حيث يستغرق النت أغلب وقته. وقد لا يكتفي الشخص بالمشاهدة لكنه يندفع نحو ممارسات فعلية مما يوقعه في براثن الإدمان الجنسي وبذلك يعطي مكاناً لعدو الخير، وقد يصبح قيداً على حياته بالإضافة لأنه طريق الدمار للجسد، كما اكتُشف أن أغلب مشاهدي البورنو لديهم عنف شديد تجاه المرأة وتجاه الأطفال أيضا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.