الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الحب بالحلمنتيشي!

0 123

كتب:د.مصطفي رجب

نما شعر الفكاهة المسمى بالشعر الحلمنتيشى وازدهر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا خلاف بين الذين كتبوا عن هذا الفن على أن هذه التسمية من وضع الشاعر الذى تفرد بإبداع هذا اللون وهو الشاعر حسين شفيق المصرى (1882 – 1948) . 

وأغلب الظن أنها تسمية مرحة أطلقها شفيق ارتجالا دون أن يكون لها – فى ذهنه – تأويلٌ مقصود، أو أساسٌ لُغَويٌّ يُقَاس عليه، أو لنقل: لعلها نوع من الهزل يتمشى مع الروح العامة التى تبدع هذا الفن الهازل.
والشعر الحلمنتيشى هو لون من الشعر الهادف يعتمد على المزج بين الكلمات الفصحى والعامية مع المحافظة على الوزن والقافية بشكلهما التقليدي.
فمن هذا التعريف يتضح أن:
ــ الهزل ليس هو السمة الوحيدة من سمات هذا الشعر أو الهدف الأساسى منه.
ــ الفكاهة فيه تأتى من تفصيح الكلمة العامية وإعرابها.
ــ أن معارضة إحدى القصائد ليس شرطا لازما لاعتبار الشعر حلمنتيشياً
ــ الشعر الحلمنتيشى لا يستحق هذا الاسم إلا بكونه ذا مضمون اجتماعى هادف.
السمات الفنية للشعر الحلمنتيشي:
ــ معارضة القصائد المشهورة. وهذه سمة عرفتها مرحلة ذيوع التسمية وواكبت مسيرة هذا الشعر فيما بعد .
ــ البدء بمطلع القصيدة المشهورة ثم الخلوص إلى الغرض الجديد فى تلقائية وعفوية.
ــ الابتعاد عن الألفاظ المبتذلة البذيئة.
ــ استعمال الكلمة العامية مُعْرَبةً مضبوطةً بالشكل فى موقعها الإعرابى كما لو كانت فصحى.
ــ إلزام الكلمة الفصحى السكون أحيانا لضرورة مجاورتها للكلمة العامية خلافا لقواعد النحو.
ــ استخدام الضرورات الشعرية المعروفة ، واختلاق ما يشبه القواعد النحوية الفكاهية مثل الجر بالحاء عند الحاجة إليها.
ــ ترشيد أغراض الشعر الفكاهى بحيث يتناول قضايا المجتمع بدلا من الطابع الشخصى الذى كان سائداً فى الشعر الهزلى القديم.
الجذور التاريخية للشعر الحلمنتيشي:
والشعر الحلمنتيشى – بالمفهوم الفكاهي- نباتٌ مصريٌّ أصيل له جذوره الضاربة فى أعماق التاريخ. وأما من حيث اللغة والمزج بين العامية والفصحى فهذه سمة حديثة نسبيا لا يمكن العودة بها بعيداً فى التاريخ.
فمع تطور اللغة العربية ، وكثرة المولَّدين واختلاطهم نشأت ظاهرة « تلوث اللغة»، وبدأ الشعراء الهجَّاءون والهَازلون يستعينون بألفاظ عامية أو مولدة تكون لها دلالات اجتماعية وربما فردية ويُعَدُّ العصران المملوكى والعثمانى عصرَيْ ازدهار الشعر الهزلى الذى يتخذ من اللغة الدارجة أسلوباً للتفكه بما توحيه من معانٍ جديدة، وبما قد يكون لها من دلالات اجتماعية، وبما تضفيه من نكهةٍ منعشة ضاحكة لا تتوافر فى بديلها الفصيح.
وإنا لضاربون مثلا على ذلك بقول بعض شعراء المماليك مخاطباً محبوبته مهدِّدًا متوعِّدًا :
واللهِ والله ِالعظيمِ القادرِ هو عالمٌ بسرائرى ونوازعي
لو عاود القلبُ المتيَّمُ ذِكْرَكم « لأقطَّعو» من مهجتى بصوابعي!
فقوله (« لأقطَّعو» ) هو ما تقوله العامية مقابلا لبديله الفصيح (« لَأقطَّعنَّه» ) وشتان ما بين النطقين من حيث الأثر والإيحاء !!!
وقول آخر يشتكى الآثار الجانبية للحب [ هطل دموعه وكَسْر ركبته !!] :
إذا ما ذكرتُك يا مهجتى تسيلُ الدموع على لحيتي
فليتك عندى إذا ما شربت ُ تكون شفاهك فى قلتي
نسيمك عطل ماء السما وأورثنى الكسر فى ركبتى !.

فما علاقة الغرام بكسر الركبة ؟ وسيلان الدموع على اللحية؟ إلا أن تكون هذه أفكوهة مصرية خالصة ؟
وقد ارتبط جو الحب فى الشعر الحلمنتيشى بأنماط الشخصية المصرية للمرأة فقد عبر عنها فى عدة مظاهر شملت نمطين أحدهما أكثر شيوعا فى الشعر الحلمنتيشى والثانى أقل شيوعا كما سيظهر فيما يلي:
– الأنماط الأكثر شيوعا:
ـ العجوز المتصابية:
يحلو لبعض النساء أن يتظاهرن بصغر السن، حقيقة أن هذه ظاهرة تكاد تكون شائعة فى غالبية النساء، غير أن هذا «البعض» الذى نقصده يمثل نمطا نادراً من النساء، ترى إحداهن وقد جاوزت الستين، تختال فى ثيابٍ ضيقة، وتصبغ وجهها بألوان صارخة وتُرقِّق حروف كلماتها، وربما مالت إلى ألفاظ لا تليق بعمرها أو صادقتْ شبابا فى عمر أبنائها.
وقد وقف حسين شفيق المصرى أمام هذا النمط من النساء أكثر من مرة ففى معارضته لقصيدة البهاء زهير:
رسول الصبا أهلا وسهلا ومرحبا حديثك ما أحلاه عندى وأطيب
يقول واصفا أمًّا من أولئك النسوة المُتاصابيات وهى تغار من بناتها:
إذا ما رأتْ صغرى البنات تبرَّجَتْ غدا صدرُها من غيرةٍ مُتلهلِبا
وإن أبصرتْ كبرى البنات وعاشقًا يُغازِلها، هزَّتْ من الغيظِ شِبْشِبا
ولا تتوقف عُدوانية هذه المرأة عند حد الغيرة من بناتها، بل تجاوز ذلك إلى حد أن تنافسهن فى كسب ود الشباب الذين يرغبون فى الزواج منهن فهى تُشوِّه صورة بناتها أمام «الزبائن» من الشباب بهدف أن تتزوج هى قبلهنّ ، هذه كانت فعلا أرملة أو مطلقة ولديها بنات، فهى تهرول إلى شارع الحمزاوى بمنطقة الأزهر تشترى « الحنتيت» وغيره من الوصفات التى يصفها العطارون للتجمُّل وزيادة الوزن ،ولاشك فى أن هذه صورة شاذة مبالغ فيها من الشاعر وهذا هو ما يهدف إليه الشاعر الحلمنتيشى فى نقده الحاد الساخر للسلبيات المجتمعية :
تقول : بناتى ليس فيهم حلوة لتأخذ منهن الفتى المتصببا
وتجرى إلى «الحمزاوي» تطلب خَلْطة تُسَمِّنُها حتى ترى البغلَ أرنبا
وورَّمها « الحنتيتُ « حتى غدتْ به كجاموسةٍ بيضاءَ عضَّتْها عَقْرَبا

وفى قصيدة أخرى يؤكد رفضه لإنفاق هذا الصنف من النساء أموالهن من أجل تحسين مظهرهن فيقول مشيراً إلى هذا الصنف من النساء.
وللنساء عقول لا أخاف إذا ما قلتُ من حَجَرٍ أو قلتُ من خَشَب
مش كلهن، فلا يغضبن أن طلعت منى عفاريتى من غيظى ومن غضبي
فإن منهن من ترمى الفلوس بلا وعى لتأتى بطبع الحسن فى العُلب
ونجده فى موضع آخر يتهكم بسلوك زوجته المسرفة التى تكلفه ما لا يطيق من المال من أجل زينتها فيقول:
أفستانان فى شهر؟ وهذا على الثوب من عامين دابا؟
تريد ملابسا فى كل يوم وقد ملات ملابسها الدولابا
ياستى يا عينى يا روحى ولى لى اما تدرين أنا (ناس غلابا)؟
عشان ماذا الزواق وقد كبرنا وعجَّزْنا ولا احناشى شبابا
أشخلعةً وشَعرك صار قُطْنا وهل لا يعرف الناس الخضابا؟
ــ الفتاة اللعوب:
وكما نعى الشاعر على المرأة العجوز تصابيها وتهالكها على إخفاء حقيقة عمرها وإسرافها فى التبرج والتزين إلى حد منافسة بناتها على كسب ود الشباب، نعى كذلك على الفتيات اغترارهن بالمظاهر وإسرافهن فى التبرج، وحذرهن من التورط فى علاقات عاطفية غير مأمونة العاقبة، ووجه اللوم للآباء الذين لا يربون بناتهم على الاستقامة والفضيلة والأخلاق القويمة.
وأشار الشاعر إلى أن سوء خلق الفتاة ربما ينتج عن سوء فهمها لمعنى الحرية، فتضرب بنصائح أبيها وإخوتها عرض الحائط فهو يتحدث عن «أسماء حبيبته التى من هذا النوع فيخاطب «العزول» قائلا:
أيها الفاتن الموقِّع فينا عند أبوها وايهِ هينوبكاءُ؟
من أبوها ومن أخوها وإيه يعملوا فيها والدنيا دى حُرِّياء ؟
وحقوق النساء قد نلتها وهىحظوظ، يا ليت قومى نساء
ومن الأوضاع المقلوبة للحب يعرض لنا الحلمنتيشيون نوعا من أنواع الفتيات الغاويات المغويات ، وهو نوع يتقلب بين الرجال فللفتاة فى كل يوم عاشق جديد، وهى توازن بينهم، وتعبث بهم وتوحى إلى كل منهم أنه هواها المنتظر، ورفيقها المأمول، فيستغرق فى أحلام اليقظة ، وينفق ثروته فى تدليلها والفسحة معها ، حتى يفيق ذات يوم على الحقيقة الأليمة: وهى أنه ما كان إلا رقما فى طابور طويل من العشاق فإما أن ينسحب فى أدب تام أو ينال «علقة» ساخنة:
قلت ارحمى صبا سيقتله الهوى قالت «روح اتنيل كدا وأنا مالي»
وتبغددت وتدللت وتباعدت عنى وقالت: «نايبة ياللى فى بالي»
فمشيت من قادامها متأدبا كى لا تلخبط خالقنى طوالى
يا هذه أنسيتِ عهد صفائنا؟ أيامَ سخريتى من العذال؟
مش أنا الذى لما عشقتتُك قلت لي: إنى الربيع وأنت فيه غزالي؟
مش أنا الذى يا ما صرفتُ مَبَالغًا حتى افتقرتُ وصفصفتْ أموالي؟
مش أنا الذى لما رأيتك كنت لا أدرى الغرام وكنت ماشى فى حالي؟
علمتِنى التهليسَ ثم تركتِنى من بعدما كنت العزيز الغالي!!
ورأيت غيرى فى غرامك هائما لابد أن يجرى له اللى جرالي
ويتخيل الشاعر أنه وقع فى غرام فتاة من هذا النوع وتركته وعشقت غيره فهو يبكى على خسارته فيها ولكن بعض أصحابه يشرحون له حقيقة معشوقته اللعوب التى أساء أبوها تربيتها، وكيف أنها تلهو مع الكثيرين من الشباب لهوًا غير بريء :
كل يوم أبكى ثلاثة ارباع نهارى واسترايح الباقي
وهى ليست تدرى بهمِّى وغَمِّى وعذولى الذى أتى لخناقي
قال لى لا تحبها أنها بنتُ حََرامٍ مفسودة الأخلاق.
إن عشاقها كثيرون جدا فهى كالثور والغرامُ سواقي
كيف صهينت يا أباها إلى أن برطعتْ برطعاءَ خيل السباق؟
زينة البنت فى الحياء فإن لم تستحى البنتُ فهْى قِرْدٌ رَاقِ
والشاعر يعاتب زوجته المحبوبة (بمبة) – التى يسميها «بمباء» !! – عتابا قاسياً لإسرافها فى المطالبة بفساتين تزيد على حاجتها فيقول:
دَا انا ماهيَّتى يا دوبُ تكفى ألم نعقل وقد شفنا العذابا ؟
وليس أبى وليس أبوكِ باشا فلا تتعنطزى وتقولي: (بابا)
أليس أبوك غلبانًا كحالي؟ وفى الأعياد (ما أكل الكبابا)؟
وأمك فى الملاية كل يوم تنطُّ كأنها صارتْ غُرابا
فلايميها – ودينِك – وارحمينى من المصاريف تَقَّلْتِ الحسابا
أرانى كلما سدَّدتُ بابا فتحتِ عليّ يابمباءُ بابا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.