الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الدين في مواقف عبدالناصر

0 96
  • كتب :د.أسعد السحمراني
  • كان عبدالناصر منذ مطلع ثورة 23 يوليو على دراية بدور الإيمان الديني وبأهميّة الوحدة الوطنيّة وهو ربط الإيمان بالوطنيّة في خطاباته وأكد على وحدة المسلمين والمسيحيين وحذّر من الفرقة والانقسام
  • المسار الذي أراده عبدالناصر بشأن الدين ورد في تقرير (الميثاق الوطني) وجاء فيه:”علينا أن نهيّئ كلّ الظروف الملائمة لنموّ الثقافة الدينيّة وتطوّرها حتّى يتبلور في المجتمع فكر ديني واعٍ حرّ طليق يحقّق الرسالة السامية للدين.”
  • كانت للزعيم جمال عبدالناصر رؤية خاصة لشعيرة الحج فهو دعا إلى أن يكون موسم الحجّ مناسبة مؤتمر إسلامي جامع سنويّ يتدارسون فيه واقعهم ومشكلاتهم ويحشدون فيه الطاقات والخبرات في إطار نهضويّ طلباً للوحدة والتقدّم والترقّي
  • سأل صحافي فنزويلي جمال عبدالناصر: “هل صحيح أنّكم أمرتم ببناء كنيسة؟” فابتسم ناصر وقال للسائل: “ولماذا واحدة فقط؟ هذا بلد المصريّين مسلمين ومسيحيّين من مئات السنين، فالمسجد مصريّ والكنيسة مصريّة.”

 قال جمال عبدالناصر في ذكرى الانتصار على العدوان الثلاثي (23 يوليو 1960) في بورسعيد: “كنّا نعتقد بوجود قوّة أكبر من القنبلة الذرّيّة، إنّها قوّة الإيمان وتأييد الله –تعالى- لنا في معاركنا متى نتّحد.” مسؤول الشؤون الدينيّة في المؤتمر الشعبي اللبناني

 جمال عبدالناصر (1918-1970) ابن مصر التي هي جزء من الوطن العربي الذي ينتمي سكّانه إلى الإسلام والمسيحيّة بشكلٍ رئيس، والأرض العربيّة مهد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي الأرض التي تحضن في القدس وفلسطين عامّة، وفي الحجاز المقدّسات، ولأرض مصر، والعراق، وسوريّا، ولبنان، والأردن، نصيب حيث عاش فيها حِقية من الزمن، أو مرّ فيها رسل، وأنبياء، وأولياء، وقدّيسون.

 

لقد كان عبدالناصر منذ مطلع ثورة 23 يوليو/تمّوز 1952 على دراية بدور الإيمان الديني، وبأهميّة الوحدة الوطنيّة، وقد ظهر ذلك من خلال ربط الإيمان بالوطنيّة في خطابه. قال عبدالناصر في كلمة ألقاها في قاعة مطرانيّة الأقباط في (بني سويف) في 15/8/1953 ما يلي: “لقد أحببت أن أقول: كلمة مواطن، لأنّنا سواء في هذا الوطن، لا فرق بين مسلم وقبطيّ، ولأنّ رصاصة العدوّ لا تتّجه إلى قلب مسلم أو قبطيّ فحسب، وإنّما تتّجه إلى قلب كلّ مواطن، فإنّنا كلّنا أبناء وطن واحد. فإذا ارتقى هذا الوطن فسنرتقي، وإذا انتكس هذا الوطن فسننتكس، ولهذا ندعو دائماً إلى الاتّحاد.”

الاتّحاد الذي يدعو له عبدالناصر هو صفّ كالبنيان المرصوص يدخله كلّ المواطنين من مسلمين ومسيحيين على قاعدة التوادد التي شاءها الله تعالى بين المؤمنين من المكوّنين في الأمّة، وفي العالم كافّة، وهذه المشيئة الإلهيّة الخالدة نصّت عليها الآية الكريمة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانا وَأَنَّهُمۡ لا يَسۡتَكۡبِرُونَ.﴾ (سورة المائدة، الآية 82).

هذا التأكيد على الوحدة الوطنيّة كان معه في خطاب عبدالناصر تأكيد على وحدة المسلمين ومعه تحذير من الفرقة والانقسام ففي ذلك ضعف يثير شهيّة الأعداء والطامعين. وقد كان موقفه هذا في خطاب أمام (المؤتمر العربي الإسلامي) بتاريخ 26/8/1953، حيث قال: “ثمّ أصيب الإسلام بأكبر ضربة في صميمه، وهي تفرّق المسلمين شيعاً وأحزاباً، فبدأت كتلة الإسلام والعرب تتفكّك، وقوّتها تتحطّم، وما بينها من روابط تتزعزع، فتسرّب إليها الضعف، وتألّبت عليها الدول، وتآمرت عليها قوى الشرّ، وأعلنتها عليها حرباً بعد طول انتظار، فتمكّنت منها في ضعفها، وتحكّمت فيها في محنتها، فإذا بهذا البناء الشامخ يرزخ تحت نير الاستعمار والاستعباد.”

 

 

المفاهيم الأصيلة والمتنوّرة لقيم الدين ظهرت عند عبدالناصر في توصية أخرى تتعلّق بالحجّ حين طالب المسلمين، وبشكلٍ خاصّ العلماء والقادة بأن يجعلوا من موسم الحجّ مناسبة مؤتمر إسلامي جامع سنويّ يتدارسون فيه واقعهم ومشكلاتهم، ويحشدون فيه الطاقات والخبرات في إطار نهضويّ طلباً للوحدة والتقدّم والترقّي.

قال في الفقرة الأخيرة من القسم الثالث من كتاب (فلسفة الثورة) بهذا الشأن الكلام الآتي: “يجب أن تتغيّر نظرتنا إلى الحجّ، فلا يجب أن يصبح الذهاب إلى الكعبة تذكرة لدخول الجنّة بعد عمرٍ مديد، أو محاولة ساذجة لشراء الغفران بعد حياة حافلة.

يجب أن تكون للحجّ قوّة سياسيّة ضخمة، ويجب أن تهرع صحافة العالم إلى متابعة أنبائه لا بوصفه مراسم وتقاليد تصنع صوراً لقرّاء الصحف، وإنّما بوصفه مؤتمراً سياسيًّا دوريًّا يجتمع فيه كلّ قادة الدول الإسلاميّة ورجال الرأي فيها، وعلماؤها في كافّة أنحاء المعرفة وكتّابها، وملوك الصناعة فيها، وتجّارها وشبابها، ليضعوا في هذا البرلمان الإسلامي العالمي خطوطاً عريضة لسياسة بلادهم وتعاونها معاً. … إنّ هذه هي فعلاً الحكمة في الحجّ، وفي الحقّ إنّي لا أستطيع أن أتصوّر للحجّ حكمة أخرى.”

إنّها توصية لم تأخذ طريقها إلى الفعل والتطبيق إلى يومنا هذا، لكنّها لا تزال صالحة ليصار إلى الأخذ بها، فهي حكمة بالغة، وتوصية ثريّة بالنفع حال يعتمدها المعنيّون.

وقد كان عبدالناصر في كلّ مرّة يؤكّد على أهميّة العامل الديني في الوطنيّة والعروبة، وكيف كان دور الإسلام في صياغة نسيج الأمّة، وفي أساس الإسلام أنّه مصدّق لما كان قبله من رسالات السماء الخالدة. وممّا قاله جمال عبدالناصر في هذا الموضوع، فِقرة من كلمة أمام مجلس الأمّة (البرلمان المصري) بتاريخ 5/2/1958 هي: “واتّحدت الأمّة بسلطان العقيدة  حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة –الإسلام- وتؤكّد ما سبقها من رسالات، وتقول كلمة الله –تعالى- الأخيرة في دعوة عباده إلى الحقّ.”

فالإيمان عامل رئيس في تقوية الروح المعنويّة، وفي رفع درجة الاستعداد للتضحية، وهذا الإيمان الذي يبعث الهمم إلى العلياء طلباً للعزّة والكرامة الخاصّة والعامّة للمواطنين كافّة، هو الذي يشكّل أبرز عوامل النصر على الأعداء؛ هذا ما ردّده جمال عبدالناصر بعد الانتصار على العدوان الثلاثي الذي اشتركت فيه فرنسا وبريطانيا والكيان الإسرائيلي بعد تأميم قناة السويس في العام 1956، وكان هذا الخطاب في ذكرى الثورة بتاريخ 23/7/1960، في بورسعيد، وممّا ورد فيه: “كنّا نعتقد بوجود قوّة أكبر من القنبلة الذرّيّة، إنّها قوّة الإيمان وتأييد الله –تعالى- لنا في معاركنا متى نتّحد.”

إنّ الطبيعي أن يقول عبدالناصر هذا الكلام، كما الواجب على كلّ عربيّ أن يسلّم بهذا العامل الحاسم في ثقافة الأمّة العربيّة الذي هو الإيمان، لأنّ الفضاء الثقافي العربي مشبّع بقيم رسالات السماء الخالدة التي نزلت وحياً على الرسل عليهم الصلاة والسلام في أرض الوطن العربي. ولهذا السبب عمل أعداء الأمّة ولا يزالون على بعث العصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة، وبعث الفتن، وما ذلك إلاّ لإدراكهم موقع الدين في الفكر والمفاهيم في الأمّة، ولذلك حذّر عبدالناصر ككثيرين غيره من الغيارى والمفكّرين من تجّار الشعارات الدينيّة، وممّا قاله في هذا الموضوع في خطاب له في دمشق بتاريخ 17/10/1960 ما يلي:

“فلا تجّار للطائفيّة بيننا… وإنّ الشعب الحرّ أبى أن ينقاد وراء تجّار الطائفيّة، فحارب المسلم والمسيحي الاستعمار… وهذا الشعب كلّه استشهد منه المسلم واستشهد منه المسيحي، وسُفِك الدم المسلم والدم المسيحي، بل سُفِك الدم العربي… واليوم هناك وحدة وطنيّة، وهناك أمّة عربيّة تعمل من أجل تحقيق الأهداف العربيّة، ولم يستطع الاستعمار أن يبذر بيننا بذور الطائفيّة، وبذور الفرقة، و… ولقد صمّمنا أن نكون شعباً واحداً تحت لواء الوحدة الوطنيّة.”

لقد جاءت هذه المواقف مبيّنة الآثار السلبيّة للفرقة التي تغذّيها النعرات الطائفيّة، وأنّ الحلّ يكون بالوحدة الوطنيّة الراسخة في إطار العروبة الحضاريّة الجامعة، فالإيمان بلا تعصّب هو الدواء الناجع من أمراض الفتنة الشيطانيّة المنشأ التي ضربت بعض مجتمعات الأمّة فأهلكت الحرث والنسل، وإنّ الخروج من الراهن العربي الذي انتشرت فيه الجرائم المتخفّي أصحابها خلف شعارات الدين منها براء، إنّما هو محتاج لمعبر واحد ضروري هو الوحدة الوطنيّة، والمواطنة السليمة المفاهيم التي تتسّع من خلال العروبة لكلّ مكوّنات الأمّة.

ثمّ يأتي الدور لطرح فيه درجة رفيعة من الفهم لمسألة حريّة المعتقد، وبيان واضح المعاني لدور رسالات السماء في سبيل كرامة الإنسان، ومن أجل إسعاده. وإذا كانت الثورات التغييريّة مطلباً لكلّ شعب عنده معاناة، أو يسود بلده الاستبداد والظلم، وتنتفي فيه العدالة والحرّيّات، فإنّ الرسالات السماويّة تحتلّ موقع الذروة في ذلك، لأنّ ما أحدثته وتحدثه في حياة الشعوب من تصحيح المعتقد، وما تقيمه من عدل وأمان اجتماعي، وما جاء في الشرائع السماويّة من ضوابط وهداية لمسارات حياة الناس، يصعب، إن لم نقل يستحيل أن تحقّقه قوانين وأنظمة من صياغة البشر. وما تشهده بعض الساحات من حالات غير قويمة يتستّر أصحابها بالدين هي التي أحدثت التشويش، وهي التي نتج منها قدر من البلبلة والمفاهيم المغلوطة التي جاءت بالإساءة للدين والإنسان معاً.

 

هذه المفاهيم نصّ عليها الباب السابع من (الميثاق الوطني) الذي حوى الكثير من النصوص التي رسمت المعالم الأساسيّة لفكر ثورة 23 يوليو/تمّوز 1952 التي قادها جمال عبدالناصر، مع الإشارة أنّ هذا (الميثاق الوطني) تمّ إعلانه في (شهر أيّار/مايو 1962)، وممّا جاء في هذا السياق:

” إنّ حرّيّة العقيدة الدينيّة يجب أن تكون لها قداستها فى حياتنا الجديدة الحرّة. إنّ القيم الروحيّة الخالدة النابعة من الأديان قادرة على هداية الإنسان، وعلى إضاءة حياته بنور الإيمان، وعلى منحه طاقات لا حدود لها من أجل الحقّ والخير والمحبّة. ورسالات السماء كلّها في جوهرها كانت ثورات إنسانيّة استهدفت شرف الإنسان وسعادته، وإنّ واجب المفكّرين الدينيّين الأكبر هو الاحتفاظ للدين بجوهر رسالته، وإنّ جوهر الرسالات الدينيّة لا يتصادم مع حقائق الحياة، وإنّما ينتج التصادم في بعض الظروف من محاولات الرجعيّة، أن تستغلّ الدين ضدّ طبيعته وروحه لعرقلة التقدّم، وذلك بافتعال تفسيرات له تتصادم مع حكمته الإلهيّة السامية، لقد كانت جميع الأديان ذات رسالة تقدميّة، ولكنّ الرجعيّة التى أرادت احتكار خيرات الأرض لمصالحها وحدها أقدمت على جريمة ستر مطامعها بالدين، وراحت تلتمس فيه ما يتعارض مع روحه ذاتها لكي توقف تيار التقدّم.

يبيّن عبدالناصر مسألة مهمّة هي: إنّ الجامدين وأصحاب المصالح ممّن يحتكرون ويستغلّون العباد والبلاد هم من يعوّقون التقدّم، وهم من يسخّرون بعض الأقلام وأصحاب الدرجات العلمائيّة ليصوغوا مفاهيم وتفسيرات لا تتناسب مع الدين الحقّ وجوهره، بل هي مفاهيمهم ألبسوها رداء الدين، وقد أدّى ما قاموا به إلى إظهار الدين وكأنّه يمنع التقدّم، وأنّه يتصادم مع الواقع المعيوش، ومع حقائق الحياة، وكلّ ذلك تزوير وتدليس وليّ لأعناق النصوص الدينيّة حين أعطوها تفسيرات لا تمتّ إلى جوهرها وحقيقتها بصلة.

ويكمل عبدالناصر في نصّه هذا من الميثاق بيان العدل الإلهي، وأنّ الفرص للعلم والعمل متكافئة أمام جميع الناس، وهم سواء في ذلك. لكنّ الاستبداد والاستعباد فرض العبوديّة، وسلبا حرّيّات الناس، والمعلوم أنّ الحرّيّة أساس للإبداع والابتكار، والأحرار وحدهم القادرون على بناء الحضارة وصناعة التقدّم، كما أنّ مسلوبي الحرّيّة ينتمون إلى مجاميع المتعصّبين، والتعصّب مسلك ونهج مغلّق الجوانب، وهو السمّ الزعاف الذي يقتل الفهم والفكر المتنوّر، وهو الذي يشكّل سدوداً غاشمة تحرس التخلّف والجهل، وهو الذي يمنع التقدّم ومجاراة التطوّر الذي هو سنّة كونيّة.

 

فالحرّيّة قرينة الكرامة، ومن لا حرّيّة له لا كرامة له، ومن ارتضى الذلّ والهوان، وخلد إلى الخنوع والتذلّل، يكون قد صار عبداً ينتظر من يستغلّ طاقاته، وأمّا الأحرار فهم وحدهم من يستكشفون لشعوبهم السبل التي تقودهم إلى مصافّ الأمم المزدهرة. وإذا كانت الامّة اليوم تدفع الاثمان الباهظة للتعصّبات الرديئة التي صنعت إطارات عرقيّة، أو طائفيّة، أو مذهبيّة، أو فئويّة، وبتأثير ذلك ظهر المتطرّفون والتكفيريّون الذين يزرعون القتل والإجرام، والدمار والخراب حيث حلّوا أو ارتحلوا، ولا شفاء من هذه العلل القاتلة سوى بالحرّيّات مع الانتظام العامّ، ولا نهضة وارتقاء ولا تقدّم إلاّ بالفهم الرشيد وأساليب التدبير الحكيم، وسلامة الإيمان والمعتقد والفهم.

لقد كان بعد هذه المفاهيم والأفكار خلاصة ذاخرة بكلّ ما مرّ ذكره وغيره كثير، وهذه الخاتمة وردت في الأسطر الاخيرة من الباب الأخير من (الميثاق الوطني) الذي هو الباب العاشر، حيث انتهى عبدالناصر إلى تقرير واقع في شخصيّة الأمّة، وبعد ذلك وضع العنوان للتطلّعات التي تسمو بصاحبها إلى المكانة اللائقة، لتحتلّ من خلاله أمّته وهويّته مكانة الصدارة في مواكب التقدّم والإنجاز الحضاري.

ويؤكّد عبدالناصر على أهميّة الإيمان المتأصّل في أبناء الأمّة مهبط الرسالات الخالدة على الرسل عليهم الصلاة والسلام في التطلّع إلى غايات سامية، وفي إنجاز ما يعيد للأمّة حرّيّتها ووحدتها وتقدّمها. قال عبدالناصر في نهاية الباب العاشر من (الميثاق الوطني): ” إنّ شعبنا يعتقد في رسالة الأديان، وهو يعيش في المنطقة التي هبطت عليها رسالات السماء… وإنّ شعبنا يملك من إيمانه بالله –تعالى- وإيمانه بنفسه ما يمكّنه من فرض إرادته على الحياة ليصوغها من جديد وفق أمانيه.”

 

الدين في مواقف جمال عبدالناصر:

المدخل إلى الموقف عند عبدالناصر كان الوعي الاستراتيجي لحقائق الجغرافية السياسيّة (Géopolotique)، وهذا الأمر له ارتباط رئيس مع العامل الديني، فالأرض العربيّة تنبسط على قارّتيّ أفريقية وآسية، ومن الأرض العربيّة انطلقت الدعوة إلى رسالتيّ الإسلام والمسيحيّة، هذه الحقائق أنتجت عند عبدالناصر استراتيجيّة الدوائر الثلاث: العربيّة القوميّة، والأفريقيّة القارّيّة، والإسلاميّة عقديًّا وإيمانيًّا. هذا ما قاله في الجزء الثالث من كتاب (فلسفة الثورة)، وما قاله هو: ” ولن نستطيع أن ننظر إلى خريطة العالم نظرة بلهاء لا ندرك بها مكاننا على هذه الخريطة ودورنا بحكم هذا المكان.

أيمكن أن نتجاهل أنّ هناك دائرة عربيّة تحيط بنا، وأنّ هذه الدائرة منّا ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحنا بمصالحها، حقيقة وفعلاً لا مجرّد كلام؟

أيمكن أن نتجاهل أنّ هناك قارّة أفريقيّة شاء لنا القدر أن نكون فيها، وشاء –أيضاً- أن يكون فيها اليوم صراع مروّع حول مستقبلها، وهو صراع سوف تكون آثاره لنا أو علينا سواء أردنا أو لم نرد؟

أيمكن أن نتجاهل أنّ هناك عالماً إسلاميًّا تجمعنا وإيّاه روابط لا تقرّ بها العقيدة الدينيّة فحسب، وإنّما تشدّها حقائق التاريخ ؟.

هذه الحقائق الجغرافيّة التي تشكّل الأساس الواقعي للتعامل والتفاعل على أساس قويّ وطنيّ، أو قاريّ، لا يصحّ أن يتجاوزها قائد واسع الأفق رشيد السياسة، وفيما بعد كان موقف استراتيجي له بُعد ديني هو إطلاق حلف هو (الحياد الإيجابي وعدم الانحياز) الذي أسهم فيه عبدالناصر بشكل أساسيّ، وكان مؤتمره الأوّل في (باندونج) في أندونيسية في 15/4/1955؛ ولا يغيب عن العالم بالواقع أهميّة هذا الحلف الأفروآسيوي، وفيه يمتدّ العالم الإسلامي على محور (طنجة جاكرتا).

هذه الاستراتيجيّة تبلور من خلالها فيما بعد في 23/8/1969 (منظّمة المؤتمر الإسلامي) بعد انعقاد للدول الإسلاميّة في الرباط ردًّا على الحريق الذي تعرّض له المسجد الأقصى من قبل الصهيوني مايكل دنيس روهان بتاريخ 21/8/1969، وبات اسمها اليوم: (منظّمة التعاون الإسلامي)، والمعلوم أنّ دور جمال عبدالناصر كان دوراً حاسماً في إطلاق هذه المنظّمة الإقليميّة، وقد جاءت تنفيذاً لفكرة الدائرة الإسلاميّة التي ورد ذكرها في كتاب (فلسفة الثورة).

لكنّ  المسار الذي أراده عبدالناصر بشأن الدين قد ورد في تقرير (الميثاق الوطني) الذي تمّ إقراره مع الميثاق في 30/5/1962، وممّا جاء فيه: “يجب علينا في مجتمعنا الجديد، أن نعنى بكشف حقيقة الدين وتجلية جوهر رسالته، لكي تكون قيمه الروحيّة الخالدة أساساً لقيم المجتمع الجديد، ولكي تكون الشريعة الغرّاء مصدراً أساسيًّا للتقنين… وعلينا أن نهيّئ كلّ الظروف الملائمة لنموّ الثقافة الدينيّة وتطوّرها، حتّى يتبلور في المجتمع فكر ديني واعٍ، حرّ طليق، يحقّق الرسالة السامية للدين.”

إنّ ما ورد في هذه الفقرة من مقدّمة تقرير الميثاق صالح اليوم لمعالجة مشكلات الأفهام الملتبسة للدين، ولوأد الفتن التي بعثها الجهلة بالدين ورسالته أو من ركنوا إلى قادة شوّهوا تفسير حقائق الدين، والحلّ بمحو الأميّة في العلم الديني، وباعتماد مرجعيّة النصّ الديني بما حواه من قيم مشتركة بين الرسالات السماويّة، ثمّ إقامة الانتظام العامّ في مجتمع الوطن والأمّة على أساس الالتزام بهذه القيم.

لقد كانت العناية بالدين ملتزمة بمكوّنات المجتمع في مصر، ومجتمع مصر فيه المسلمون وفيه الأقباط المسيحيّون، وكان التعامل مع الجميع سواء، وهذه واقعة من الحوادث التي تؤكّد ذلك وهي ما رواه المستشار مجدي أمين جرجس ممّا جرى في العام 1953، وهو “إنّ عضوين من مجلس قيادة الثورة توجّها إلى مدينة (كوم حمادة) لافتتاح مسجد جديد، ووضع حجر الأساس لكنيسة جديدة، فالأقباط تبرّعوا للمسجد، والمسلمون تبرّعوا للكنيسة.”

وهناك واقعة أخرى تستحقّ الذكر في هذا السياق، كانت في العام 1956، عندما كان جمال عبدالناصر يعقد ندوة صحفيّة بعد خروج مصر منتصرة ضدّ العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي) عليها، حيث سأله صحافي فنزويلي قائلاً: “هل صحيح أنّكم أمرتم ببناء كنيسة؟” فابتسم عبدالناصر وقال للسائل: “ولماذا واحدة فقط؟ هذا بلد المصريّين مسلمين ومسيحيّين من مئات السنين، فالمسجد مصريّ والكنيسة مصريّة.”

كما أنّه كانت علاقة مميّزة بين جمال عبدالناصر والبابا كيرلّس، وقد نقل المستشار الأبّ زكي شنودة عن منى جمال عبدالناصر أنّها أخبرته بالآتي: “كان والدي يودّع أيّ ضيف، حتّى الرؤساء والملوك عند باب الصالون، إلاّ البابا كيرلّس، فقد كان يرافقه إلى السيّارة ويظلّ واقفاً حتّى تتحرّك السيّارة.”

ويأتي في إطار الإجراءات التي تؤكّد اهتمام عبدالناصر بالدين والتديّن ما فاتح به بابا الكرازة المرقسيّة البابا كيرلّس بشأن تشييد الكاتدرائيّة المرقسيّة في القاهرة، وذلك في الموقع الذي يضمّ ضريح مرقس الإنجيلي الذي بشّر بالمسيحيّة في مصر، والواقع في شارع رمسيس، وكان أن قدّم عبدالناصر للمشروع مئة ألف جنيه مصري، وهو مبلغ له قيمته في ذلك الوقت، وبعدها كان وضع حجر الأساس بحضور الرئيس جمال عبدالناصر بتاريخ 24/7/1965، وعندما تمّ بناء الكاتدرائيّة حضر عبدالناصر حفل الافتتاح. وقبل مغادرة موضوع الكاتدرائيّة المرقسيّة يفيد أن يحوي هذا المقال بعض ما ورد في كلمة الرئيس جمال عبدالناصر في احتفال وضع حجر الأساس للكاتدرائيّة في 24/7/1965، وممّا قاله: ” يسرّني أن أشترك معكم اليوم فى إرساء حجر الأساس للكاتدرائيّة الجديدة. وحينما تقابلت أخيراً مع البابا (كيرلّس) في منزله فاتحته في بناء الكاتدرائيّة، وأنّ الحكومة مستعدّة للمساهمة في هذا الموضوع. ولم يكن قصدي من هذا –فعلاً- المساهمة المادّيّة، فالمساهمة المادّيّة، أمرها سهل، وأمرها يسير، ولكنّي كنت أقصد المساهمة المعنويّة.

وقد كان جمال عبدالناصر يتّخذ مواقفه التضامنيّة مع كلّ ذي حقّ، ولا يقف عند مسألة الطائفيّة، وما يليها من تعصّب وانحياز. ولعلّ الأنموذج الصالح لتأييد ذلك هو الموقف من الأسقف مكاريوس الثالث رئيس قبرص. لقد كانت بريطانيا تحتلّ قبرص وتستعمرها، وعندما تولّى مكاريوس الثالث منصب مطران قبرص لطائفة الروم الأرثوذكس في العام 1950 بدأ حركته الثوريّة لنيل الاستقلال وطرد المحتلّ البريطاني، وفي سنوات ما قبل الاستقلال عُرِفت حركته باسم ثورة الرهبان. وانتخب مكاريوس الثالث في كانون الأوّل/ديسمبر من العام 1959 رئيساً لقبرص، لكنّه لم يستلم منصبه إلاّ بعد نيل الجزيرة الاستقلال في شهر أغسطس/آب من العام 1960. وبعد الاستقلال حصل صراع بين تركيّا واليونان سنة 1963 على النفوذ على الجزيرة، ولم يتوقّف سوى بعد تدخّل الأمم المتّحدة في عام 1964. وقد تعاون المطران الرئيس مكاريوس الثالث، ككلّ حركات التحرّر والثورات مع ثورة يوليو/تمّوز بقيادة جمال عبدالناصر، وكان موقف جمال عبدالناصر في موقع الدعم لاستقلال قبرص وللرئيس المطران مكاريوس الثالث الذي دخل في معسكر الحياد الإيجابي وعدم الانحياز الذي كان عبدالناصر أحد رموزه، ولم يلتفت عبدالناصر إلى الواقع الطائفي، وأنّ تركيّا بلد إسلامي، لأنّ من حقّ قبرص أن تستقلّ، وتركيّا عضو في الحلف الأطلسي، وكانت من أركان مشروع حلف بغداد الذي يرعاه الأطلسي ليتآمر على العرب والعالم الثالث وطلاّب التحرّر عامّة.

وإذا اتّجه المقال إلى المواقف في الشأن الإسلامي بعد الكلام عن إطلاق (منظّمة التعاون الإسلامي) عام 1969، يجد المتابع من خلال سجلاّت الأوقاف أنّ عدد المساجد في مصر كان يوم بدء مسيرة الثورة بقيادة عبدالناصر (11000) أحد عشر ألف مسجداً، ويوم وفاة عبدالناصر في 28/9/1970 كان قد أصبح (21000) واحداً وعشرين ألف مسجداً، وهذا الرقم بيان جليّ عن مقدار الدعم للنشاط الدعوي.

وترافق ذلك مع تنشيط بعثات الأزهر الشريف من العلماء إلى مختلف الأقطار والدول العربيّة والإسلاميّة، وإلى كلّ مكان في العالم توجد فيه مجموعات مسلمة، وكان لعلماء الأزهر المبتعثين دور كبير في نشر الفكر الإسلامي الوسطيّ، والفقه الرشيد بعيداً من التعصّبات المذهبيّة والطائفيّة.

وِقفة خاصّة مع الأزهر الشريف:

أكّد عبدالناصر في أكثر من مناسبة أنّ الأزهر الشريف حصن العلم والشريعة، وهو المنبر للحشد الجهادي والمقاومة لكلّ طامع، كما أنّه المقصد للعلماء وطلاّب العلوم الشرعيّة من العالم قاطبة. وممّا يذكر في هذا السياق ما جاء في تقرير (الميثاق الوطني) وهو ما يلي:

“وفي يقيننا أنّ الأزهر الشريف بما له من تاريخ حافل مجيد، وفي ظلّ قانونه الثوري الجديد، قادر أبداً على النهوض بهذا الإصلاح الديني، وعلى تطوير الثقافة الدينيّة مستوحاة من منابعها الأصيلة في عصور الإزدهار والقوّة، وبذلك تكون أجهزة الدعوة للدين في كلّ مجالات التعليم والوعظ والإعلام على وعي كامل بروح الدين الحقّ ووظيفته في الحياة.

إنّنا بذلك نتمكّن من تثقيف الشعب ثقافة دينيّة صحيحة، ومن تثبيت القيم الخالدة النابعة من جوهر الدين. ونتمكّن –كذلك- من مواصلة رسالتنا المجيدة في تعريف العالم بالدين الإسلامي على حقيقته، وفي تقوية الروابط الدينيّة والروحيّة التي تربطنا بالشعوب الإسلاميّة.”

لا يحتاج هذا النصّ من تقرير (الميثاق الوطني) لتعليق أو مراجعة لأنّه جاء يحدّد بشكل جليّ دور الأزهر الشريف في نشر الدين الحقّ، وفي غرس القيم الناظمة لعلاقات الناس استناداًَ إلى جوهر رسالات السماء، كما جاء يشير إلى دور الأزهر الشريف في خلق الروابط بين المسلمين في العالم.

ويأتي بين المواقف المبيّنة لدور الأزهر الجهاديّ ما كان بعد أن أعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس وطرد النفوذ الأجنبي منها في 26/7/1956، وعندما بدأ العدوان على مصر الذي اشترك فيه العدوّ الإسرائيلي مع بريطانيا وفرنسا.

لقد صاغ الرئيس السابق لجامعة الأزهر الأستاذ الدكتور إبراهيم الهدهد مقالة جميلة حول الموضوع نشرتها مجلّة الأزهر في عدد ربيع الأوّل من العام 1439 هـ يقع في الصفحة 499 وما بعدها (العدد: ج3، السنة91). وقد أورد كاتب المقال موقف شيخ الأزهر الإمام عبدالرحمن تاج يومها، وممّا صدر في الموقف المذكور: “الموت دفاعاً عن الوطن شهادة: إنّ قرار تأميم قناة السويس الذي اتّخذته مصر، وأعلنه زعيمها ورئيس جمهوريّتها في 8 ذي الحجّة 1375هـ/ 26/7/1956م، هو قرار وطني حكيم قويّ، في غاية القوّة، وأسمى معاني الشرف والعزّة والكرامة، وهو عمل مشروع لا ينقصه شيء من الاعتبارات الشرعيّة والقانونيّة.”

وقال أ.د. ابراهيم الهدهد في مقدّمة مقالته: “الرئيس عبدالناصر يواجه العدوان الثلاثي من منبر الأزهر: في 24ربيع الأوّل 1376هـ / 29أكتوبر 1956م من القرن الماضي تكالبت السهام على مصر المحروسة، وأقبلت إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بخيلها ورجالها على مصر تريد التهامها، حينها اتّجهت همّة الراحل جمال عبدالناصر إلى الأزهر الشريف، فمنبر جامعه مكمن الطاقة الهائلة التي تحرّك الشعب بأكمله بكلّ أطيافه.”

لقد قصد جمال عبدالناصر ظهر الجمعة في 2/11/1956 الجامع الأزهر، ووجّه كلمة من منبره أوردها كاتب المقال، وممّا جاء فيها: “أيّها المواطنون: في هذه الأيّام التي نكافح فيها من أجل حرّيّتنا… حرّيّة شعب مصر، ومن أجل شرف الوطن، أحبّ أن أقول لكم: إنّ مصر كانت دائماً مقبرة للغزاة… انتهى الغزاة.. انتهت الإمبراطوريّات.. وبقيت مصر… واليوم، أيّها الإخوة: نحن نقابل عدوان الظلم والاستعمار الذي يريد أن ينتهك حريّتنا وإنسانيّتنا وكرامتنا، ونحن نقاوم هذا العدوان؛ نطلب من الله أن يلهمنا الصبر والإيمان، والثقة والعزم، والتصميم على القتال. إنّنا اليوم نطلب من الله –تعالى- أن يقوّي قلوبنا جميعاً ونفوسنا حتّى ندافع عن وطننا.”

 

خاتمة:

إنّ جمال عبدالناصر شكّل مساراً مهمًّا في التاريخ المعاصر على المستوى العربي والإسلامي والدولي. ويفيد التذكير أنّه قاد الثورة في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وتلك الحقبة تلت أفول نجم أوروبا، واغتصاب فلسطين من قبل الصهاينة بشراكة أوروبيّة غربيّة، وبدايات الحرب الباردة بين معسكريّ الأطلسي بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة ووارسو الشيوعي بقيادة الاتّحاد السوفياتي السابق في أعقاب اتّفاقيّة (يالتا) لاقتسام النفوذ الدولي، وقد تجلّى هذا من خلال الاستقطاب الدولي وتوظيف الإمكانات لنشر الشيوعيّة وأحزابها، أو الفكر اليميني المتمثّل في الرأسماليّة ومعها العلمانيّة أو اللادينيّة، ومع ذلك نشأت بعض المجاميع في حركات وأطر باسم الإسلام. وكان الاستعمار لا يزال مغتصباً لأقطار عربيّة وأفريقيّة وآسيويّة مباشرة، أو من خلال القواعد العسكريّة والأساطيل، وقد كان عبدالناصر ملهماً للكثير من حركات التحرّر والاستقلال، أو كان من الداعمين لها، ومع كلّ هذه المسارات صرف جهداً للتنظير وطرح الأسس النظريّة الثوريّة، وفي النظريّة أو التطبيق والمواقف كان عبدالناصر ملتزماً الإيمان وقيم الدين وثوابته، وكان داعياً إلى مرجعيّة رسالات السماء الخالدة التي كانت ثورات لتحقيق الكرامة والعدالة والحقّ في حياة سعيدة لكلّ إنسان.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.