الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الطريق إلى المستقبل

0 48

بقلم :جمال عبد الناصر

“ إن نجاح هذا الجيل قد فتح الطريق إلى المستقبل، وحتى نفتح الطريق إلى المستقبل لابد أن نكون من أنفسنا الجسر الذى يربط بين الماضى البغيض وبين المستقبل المشرق..”

إن هذا الجيل- جيلنا الحاضر- تحمل عبء القيام بثورتين فى وقت واحد: ثورة سياسية، وثورة اجتماعية، ولقد حاول آباؤنا أن يقوموا بالدور الذى قمنا به الآن، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينتصروا فى المعارك التى حاربوا فيها، وهذا لا يمنع أنهم حاربوا فى جميع المعارك من أجل تحقيق الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

حاربوا على مر السنين، وفى عشرات السنين فى كل مكان، ولكن لم يتح لهم النصر بل مهدوا لنا طريق النصر لننتصر، حاربوا فى هذه المعارك، لم يضنوا فيها بالشهداء، وتحملوا فيها الآلام!

ولقد أخذنا منهم العلم.. علم الكفاح من أجل تحقيق الثورة السياسية، والثورة الاجتماعية، وكافحنا فى الطريق الذى كافحوا فيه ولم يستطيعوا أن ينتصروا ولكننا بعون الله استطعنا أن ننتصر، وأن نرى معالم  المجتمع الجديد، وأن نرى معالم نجاح الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

استطعنا أن ننتصر وأن نرى معالم المجتمع الجديد، ومعالم المستقبل الجديد، وهذا العبء عبء كبير. عبء شاق.

إن نجاح هذا الجيل قد فتح الطريق إلى المستقبل، وحتى نفتح الطريق إلى المستقبل لابد أن نكون من أنفسنا الجسر الذى يربط بين الماضى البغيض وبين المستقبل المشرق، الذى نتصور فيه المجتمع العربى الذى نتمناه، والذى نعمل من أجله،، المجتمع الذى تتخلص فيه أوطاننا العربية من الاستبداد السياسى، ومن الظلم الاجتماعى،، المجتمع العربى الذى يتخلص من السيطرة المستبدة التى أتت إلينا من الخارج، والسيطرة المستغلة التى تكونت فى بلادنا من الداخل.

استطعنا أن ننتصر بعون الله وأن نرى الفرصة تمكننا من وضع دعائم هذا المجتمع، ولهذا قبلنا حينما رفعنا هذا العلم- علم الجهاد، علم الكفاح.

– أن نكون جسراً بين عالمين: العالم الذى كان يتفشى فيه الإقطاع والاستبداد والاستغلال والفساد السياسى، وبين العالم الجديد الذى يتمثل فيه هدفنا الأكبر، وهو إقامة مجتمع ترفرف عليه الرفاهية، وقبلنا أن نكون القنطرة التى تعبر عليها الأجيال القادمة فى أوطاننا.. تعبر عليها فى زحفها إلى عالم أفضل من العالم الذى وجدناه، ونحن نعمل ونكافح ونسعى حتى نحقق للأجيال التى تأتى بعدنا عالماً أفضل بدل العالم الذى نشأنا فيه، والذى قاسينا منه، والذى شكونا مر الشكرى من مآسيه.

وفى نظرة سطحية سريعة قد يظهر أن جيلنا محمل بأعباء أكثر مما يطيق، ولكن إذا نظرنا نظرة عميقة، رأينا وشعرنا بأننا فعلا على موعد مع القدر. فتاريخ هذا الجيل يقاس بما يستطيع أن يسجل فى حياته من جهود وأعمال، وستتطلع الأجيال القادمة إلى ما نعمله اليوم بفخر، وسترى أن جيلنا كان نقطة التحول الكبرى فى تاريخنا العربى.

ولا أقول ذلك لأستثير العزة، أو لأستثير فى هذا الجيل الشعور بالفخر، ولكنى أقوله، لأنى مازلت أطلب عملاً أكثر، وجهداً أكثر وتصحيحاً أكثر وعزيمة أكثر.!. وبذلك نستطيع أن نبنى المجتمع الجديد، المجتمع الاشتراكى الديمقراطى.

 

وليس بناء هذا المجتمع بالمهمة السهلة، ولكنه مهمة صعبة. لأننا لا نبنى المجتمع الجديد فقط، وإنما نحن نضع تصميم هذا المجتمع لأنفسنا، قبل أن نبنيه، فإن ظروفنا تختلف عن ظروف غيرنا، ولا ينبغى لنا أن ننقل تجربة مجتمع آخر، لأن كل مجتمع يضع النظام الذى يلائمه، ولكن ذلك لا يمنع أن ندرس تجارب الآخرين حتى نستطيع أن نستفيد منها.!

ولهذا نحن حينما نقول إننا نبنى هذا المجتمع الجديد، فلا نعنى أننا نبنى فقط، وإنما نصمم، وهذا التصميم يتطور ويتشكل مع تطور المجتمع ومع حاجات المجتمع، ومع طبيعة المجتمع.. هذا التصميم تصميم مستمر، والعمل فيه مستمر!.

ولقد استطعنا فى هذه الفترة القصيرة أن نحقق فى البناء خطوات طيبة، ولكننى أقول إن الطريق أمامنا لا ينتهى، لأن حاجات المجتمع ليست لها نهاية، ولأننا إذا حققنا بعض المطلوب فإن أمامنا باستمرار مطالب جديدة فى هذه السنوات الأخيرة رغم المعارك السياسية والمعارك الاجتماعية، والمعارك الفكرية استطعنا فى ناحية البناء أو بالأحرى من ناحية زيادة الإنتاج أن نحقق نتائج نستطيع  أن نشعر أنها نتيجة عمل كل فرد منا.. استطعنا أن نحقق نتائج مثالية، أو نتائج طيبة فى ميدان الصناعة، والتنمية الصناعية والتنمية الاقتصادية وفى ميدان الزراعة، وفى جميع الميادين التى تتمثل فيها حاجات المجتمع.. وهذا معناه أننا نعمل، وأننا قدرنا إلى حد كبير أن نحدد الطريق إلى مجتمع ترفرف عليه الرفاهية، وإلى مستقبل أفضل.

 

يناير 1959م.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.