الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

الطفولة- المؤثرات- التوجهات (من 1918 إلى عشية 1952)

0 70
  • كتب :فرحان صالح
  • تنوعت وتعددت الأماكن الذي قضى عبد الناصر طفولته فيها؛ فمن منطقة إلى أخرى كان يتعرف على مشارب سياسية واجتماعية وثقافية جديدة

 يقول جمال ” في القاهرة.. كرست نفسي لنشاطي المدرسي والسياسي، لكن صدمني الزمن بفقدان والدتي إذ إن فقدانها كان صدمة تركت بي شعورًا لا يمحوه أي شيء”

 انطلقت رحلة عبد الناصر نحو تحقيق مشروعه، مع اليوم الأول لدخوله المؤسسة العسكرية حيث انطبع عنده أن الجيش المصري وقتها لم يكن جيشا مقاتلا

 يقول الضابط الشاب عبد الناصر عن حرب 1948: “لقد اتضح لي أن المعركة الحقيقية ضد العصابات الصهيونية تبدأ بالفعل من داخل مصر

  ولد جمال عبد الناصر في العام 1918 في الصعيد (ضواحي قرية بني مر)، ترافقت ولادته مع انتهاء الحرب العالمية الأولى مع ما رافقها من تحولات إقليمية ودولية أدت إلى إنهاء الخلافة العثمانية وانحسارها ضمن نطاق جغرافي معين، وإلى توازنات دولية أسفرت عن رسم معالم جديدة لوطن عربي مقسم بين الإنكليز والفرنسيين. لقد رسمت الحرب العالمية الأولى صورة جديدة للولايات العربية التي كانت تتبع الخلافة، تلك الولايات التي تحولت إلى مشاريع دول أو دويلات، رسم منها المستعمر الجديد صورًا لمصالحه ولاستراتيجيته الدولية.

تنوعت وتعددت الأماكن الذي قضى عبد الناصر طفولته فيها؛ والده كان مضطرًا إلى العمل في أكثر من قرية أو مدينة، تلك الأمكنة التي تركت مؤثرات لا تمحى عند جمال، فمن منطقة إلى أخرى كان يتعرف على مشارب سياسية واجتماعية وثقافية جديدة. وحيث النظام الملكي، بقيمه وتقاليده وثقافته شبه الإقطاعية، يرسم صورة التلاقح والتفاعل والتداخل المركب بينه وبين ما تفرضه الثقافة الاستعمارية التي تسوم كل منهما – الملكية والاستعمار – الشعب المصري أسوأ أنواع الظلم والفقر والمرض والأمية.

تنوعت الأماكن التي تنقل إليها حسين عبد الناصر، كما تنوعت الأماكن التي درس فيها جمال عبد الناصر، ففي الإسكندرية تعرف حسين عبد الناصر على إحدى الفتيات – ابنة رجل الأعمال المعروف في الإسكندرية محمد حامد – وتزوج منها، فأنجبت ثلاثة أولاد أكبرهم جمال. لكن الزوجة التي توفيت في السنة التاسعة لزواجها 1926، تركت صدمة كبيرة في حياة ولدها البكر جمال الذي تعرف بوفاة والدته على طقوس الموت مبكرًا. لقد أخفى والده خبر وفاة زوجته عن جمال، يقول جمال: “لم أكن أفرط في رحلاتي لزيارة أسرتي، لكن حين انقطعت عني أنباء أمي فترة من الزمن، سافرت لزيارة الأسرة، ولما بلغت البيت لم أجد لها أثرًا، وعلمت أنها قد توفيت قبل ذلك بأسابيع، ولم يجد أحد الشجاعة الكافية لإبلاغي بموتها، لكن اكتشفت موتها بنفسي بطريقة هزّت كياني”.

بموت والدته، فقد جمال جزءًا مهمًا من طفولته، تلك الطفولة التي سرعان ما كانت تضيع في الأماكن التي كان ينتقل إليها مع والده، الموظف الذي لم يعرف الاستقرار في مكان بعينه، والسبب عدم وجود واسطة تسمح باستقراره في مدينة ما. لقد تغيرت حياة جمال بعد وفاة والدته، أصبح أكثر ميلًا للعزلة والوحدة، دائم التفكير والتأمل. يذكر والده أن جمال سأله يومًا وقطعة اللحم بين أسنانه: “لماذا نأكل اللحم يا أبي والفلاحون الذين يرعون ويربون الماشية لا يأكلونه؟”. صدم والده بالسؤال، وإن كانت أسئلة جمال المتكررة حول غير موضوع، قد تركت بصمة كبيرة في ذاكرة الوالد!

في تنقل جمال مع والده من مكان إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، كان يتعرف على أجيال جديدة، وهموم جديدة يحملها المصريون، فمن مدرسة السكة الحديد (1923 – 1924) في أسيوط، إلى مدرسة النحاسين التي تجاور خان الخليلي والأزهر، ومن ثم إلى مدرسة العطارين حيث أرسله والده إلى عند جده لوالدته محمد حامد، إلى مدرسة رأس التين الثانوية في الإسكندرية، إلى مدرسة حلوان الثانوية، ومن ثم إلى مدرسة النهضة الثانوية في القاهرة، تلك الأمكنة التي درس في مدارسها جمال، والتي كانت هموم سكانها تتشابه. مبكرًا انغمس جمال في واقع المجتمع المصري، مبكرًا تحمل هموم مجتمعه، هذه الهموم كلّها لم تسمح له بممارسة طفولته.

كبر جمال صغيرًا، وكبرت مسؤولياته وهمومه في القاهرة، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وكان يتابع دراسته في مدرسة النهضة حيث ترأس منظمة الطلبة المناوئين للنظام الملكي والإنكليز، وبصفته هذه، كان البوليس يراقبه ويجمع معلومات عن نشاطه، وبسبب نشاطاته التي كانت توصف بـ”الهدامة”، فصله مدير المدرسة من المدرسة، لكن رفاقه كانوا قد قاموا بمظاهرات وبإعلان الإضراب العام مطالبين بعودته إليها، ما دفع المدير إلى التراجع عن قراراته، وبإعادة التصريح لجمال بدخول المدرسة، لكن الطلاب رفضوا أن يعود جمال إلا إذا ذهب مدير المدرسة إلى بيت جمال واعتذر منه وأحضره إلى المدرسة، وهكذا كان!

في القاهرة، يقول جمال، “كرست نفسي لنشاطي المدرسي والسياسي، لكن صدمني الزمن بفقدان والدتي، إذ إن فقدانها كان صدمة تركت بي شعورًا لا يمحوه أي شيء”.

وعن سنوات التكوين، يقول: “لقد حاولت التعرف على هموم ومشاريع الأحزاب السياسية، فانضممت إلى جماعة مصر الفتاة لمدة عامين، كان ذلك بعد مظاهرة الإسكندرية، لكني تركتها بعد أن اكتشفت أنها برغم دعواها العالمية لا تحقق شيئًا يذكر. وقد فوتحت للانضمام للحزب الشيوعي، لكني رغم دراستي للمذهب الماركسي ولكتابات لينين، وجدت أمامي عقبتين أساسيتين: الأولى هي أن الشيوعية في جوهرها ملحدة. والثانية إدراكي أن الشيوعية العالمية معناها بالضرورة سيطرة سياسات نوع من الأحزاب الشيوعية العالمية، وهذا ما كنت أرفضه، وعلى هذا فلقد أدركت أن الحزب ستكون سياساته خاضعة، ونحن سنكون مجرد ظل للسيطرة الأجنبية، وهذا ما لم أستطع أن أقبله. كما كانت لي اتصالات مع الإخوان المسلمين، رغم أني لم أكن قط عضوًا في هذه الجماعة. لقد كان في تصرف هذه الجماعة ضرب من التعصب الديني، لهذا رفضت أن تحكم بلادي طائفة متعصبة”.

وفي حين ينفي أية صلة له بالإخوان، إلا أن خالد محيي الدين يروي في مذكراته، أن جمال انتسب إلى الجهاز الخاص لجماعة الإخوان المسلمين أواسط الأربعينيات، وأدى أمام حسن البنا قسم البيعة. ويضيف أن عبد الناصر لم يؤسس تنظيم الضباط الأحرار إلا بعد خمسة أشهر من اعتقال حسن البنا. ويضيف أن عبد الناصر اشترط على الضباط من الإخوان كذلك الضباط من تنظيم “حدتو” الحركة الوطنية للتحرر الوطني الشيوعي، يوسف صديق وأحمد حمروش وأيضًا المتحول نحو اليسار خالد محيي الدين، أن ينخرطوا في تنظيم الضباط الأحرار بصفتهم الشخصية، وليس من خلال صفة التنظيم الذي ينتمون إليه”. ويضيف محيي الدين، أيضًا كان تأسيس الضباط الأحرار إعلان طلاق بين الدبابة والعمامة، وبين العسكر والإسلاميين .عبد الناصر والتحضير للثورة

يرى من يتابع المرحلة الأولى من السيرة الذاتية لجمال عبد الناصر، أنه قد رسم مبكرًا الصفحات الأولى لسيرته الذاتية، ولتوجهاته ولمشروعه الكبير، ولم تكن المرحلة الثانية الممتدة من سنة 1936 – حتى العام 1952 سوى المرحلة التي كان عبد الناصر وثلة من أصدقائه يرسمون فيها مستقبل مصر، وموقعهم في المسيرة التي كان يخطط لها ويعمل لتحقيقها عبد الناصر.

انطلقت رحلة عبد الناصر نحو تحقيق مشروعه، مع اليوم الأول لدخوله في المؤسسة العسكرية، فتخرج عام 1938 في الكلية برتبة ملازم ثان، لكن انطباع جمال عن الجيش المصري أنه جيش غير مقاتل، منذ تلك اللحظة بدأ يخطط لمؤسسة عسكرية تحمي مصر وتدافع عن مصالح المصريين. حصل ذلك بعد دخول ثلة من الضباط الجدد الذين كان منهم جمال، الذي بدأ يخطط لمشروع كان يرى فيه “أن الإنجليز هم أسس كل بلائنا”، لذلك كان لا بد لعبد الناصر من أن يراهن على الجيش، بعد أن فقد ثقته بالأحزاب السياسية، خاصة أن الجيش الإنكليزي في مصر والذي يتجاوز عدد أفراده الثمانين ألف عسكري وضابط ومستشار وخبير، كان ضد أي تطوير في أوضاع الجيش المصري.

بدأ عبد الناصر يراهن على جيش جديد، ويعمل من أجل تكوين قوى ثورية تعمل للتخلص من الاحتلال الإنكليزي، ومن الحكم الملكي، فانتقل إلى الإسكندرية عام 1939، حيث بدأ ببناء النوى الأول للتنظيم، الذي سمي في ما بعد “تنظيم الضباط الأحرار”.

أعلنت الحرب العالمية الثانية، انتقل جمال عام 1942 إلى السودان، حيث تتكامل المشاكل، والسودان هو توأم مصر، انقطعت صلاته مع رفاقه في تنظيم مصر، ثم نقل من السودان إلى العلمين عام 1942، حينها أتيحت له الفرصة للاحتكاك بالجيش الإنكليزي، لكن لم تتح الفرصة له للبقاء طويلًا في العلمين، فانتقل إلى القاهرة حيث عين في نهاية سنة 1942 مدرسًا بالكليّة الحربية، والتحق في الوقت نفسه بكلية أركان حرب، وكان وجوده في الكلية فرصة للقائه بزملائه، إذ بدأ يعمل على توحيد صفوفهم.

كانت الكلية الحربية تضم عددًا كبيرًا من ممثلي الألوية المختلفة، فساعد ذلك جمال على التعرّف على المزيد من الضباط، وعلى ربط اللجنة السرية بجميع ألوية الجيش. وكان عام 1945 محطة أساسية في مشروع عبد الناصر؛ انتهت الحرب العالمية الثانية، وبدأت حركة الضباط الأحرار تتبلور تنظيميًا، وبدأت تظهر إلى الواجهة القضية الفلسطينية، تلك القضية التي لم تكن من قبل في واجهة المشروع الناصري، وفجأة أصبحت فلسطين من الأولويات، حيث كان عبد الناصر يردد وفي كل تصريحاته، خطورة الحركة الصهيونية على مصر، وعلى كل أقطار الوطن العربي.

في مايو من العام 1948 أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسطين. في تلك الأثناء بدأ عبد الناصر يلمس بعمق الخطر الصهيوني وخطر الاحتلال الإنكليزي، إضافة لخطورة النظام الملكي الذي هو اليد الغليظة لترويض المصريين، وضرب أية توجهات مصرية معادية للاحتلال الإنكليزي.

لقد اعترفت الأمم المتحدة بالدولة الصهيونية، فانتقل عبد الناصر إلى قتال الصهاينة في فلسطين، واكتشف التواطؤ ليس العربي فقط، وإنما الدولي أيضًا، ففلسطين هي نقطة تقاطع بين المصالح الاستعمارية ومصالح الأنظمة الرجعية العربية. في فلسطين واجه عبد الناصر ومن معه الصهاينة في المجدل وشدود وحوليس وديروت وإسحاق واللاسلكي وبيت حنون وغيرها، وكان جمال في ذلك الوقت رئيس أركان حرب الكتيبة السادسة، تلك الكتيبة التي أذهلت العدو في تنظيمها وبطولات أفرادها، وإن كان ذلك قد حصل بمبادرات فردية وبإمكانيات محدودة.

لقد كان الضابط جمال يسيطر على أوضاع كتيبته المحدودة الإمكانيات، وعلى مواقع العدو في أكثر من مكان. وقد أصيب جمال في إحدى المعارك في فلسطين.

يقول عبد الناصر: “لقد اتضح لي أن المعركة الحقيقية هي بالفعل في مصر، فبينما كنت ورفاقي نحارب في فلسطين، كان السياسيون المصريون يكدسون الأموال من أرباح الأسلحة الفاسدة. لقد كان من الضروري تركيز الجهود لضرب أسرة محمد علي، فكان الملك فاروق هو هدفنا الأول في نهاية 1948 إلى 1952”.

في نحو الساعة العاشرة من 22 يوليو أبلغ عبد الناصر بأن القصر قد تسرب إليه نبأ استعداد الضباط الأحرار للتحرك. وكان “لا بدّ من اتخاذ قرار فوري، فلو أننا تركنا كل شيء ليتم في ساعة الصفر المتفق عليها وهي الواحدة صباحًا، فقد يدركوننا قبل أن ندركهم. وقررنا تقديم الموعد. وجدنا البوليس الحربي قد أغلق الثكنات، فمضينا إلى ثكنة الفرسان والمصفحات، فوجدنا أنهم سبقونا. وأمام هذه المصاعب توجهنا إلى ثكنة ألماظة كحلّ أخير، وكنت أسير بسيارتي الأوستن ومعي عبد الحكيم عامر، وفي الطريق التقينا بطابور من الجنود. وأخرجنا الجنود من السيارة وألقوا القبض علينا. لكن الجنود كانوا من قوات الثورة، وكانوا ينفذون أوامري بإلقاء القبض على كل الضباط فوق رتبة القائمقام دون مناقشة. ولم يكن الجنود يعرفون من أكون، ولم تصدر الأوامر بالإفراج عنّا إلى حين تقدم البكباشي يوسف صديق قائد المجموعة وأحد زملائي المقربين ليطلع على الضجة. لقد تحرك يوسف صديق قبل الموعد المحدد له، وكان ينتظر حتى تحلّ ساعة الصفر لبدء الهجوم. وانضممنا إلى الطابور وقررت ألا ننتظر واتجهنا فورًا إلى القيادة، لكن عنصر المفاجأة كان في جانبنا، لقد اعتقلنا في الطريق عددًا من قادة الجيش الذين كانوا يحضرون الاجتماع في القيادة لتوجيه الضربة ضدنا. وحدثت مقاومة قصيرة خارج القيادة، ثم اقتحمنا المبنى ووجدنا رئيس هيئة أركان الحرب الذي كان يضع خطة الإجراءات التي ستتخذ ضد الضباط الأحرار، وقبضنا عليهم جميعًا، وأوفدت من يجيء باللواء محمد نجيب، فوجدنا أنه على علم بما يحدث. فقد اتصل به وزير داخلية الملك هاتفيًّا بالإسكندرية ليستفسر عمّا يجري، فقال له محمد نجيب بأنه لا يعلم شيئًا”.

يقول عبد الناصر: “في الصباح، وكنّا قد سيطرنا على الوضع، اتصلنا بالسفارة الأميركية، ومن ثم بالسفارة البريطانية لإبلاغهما أن الضباط الأحرار استولوا على السلطة، وأن حياة الأجانب وممتلكاتهم ستؤمن ما لم يحدث تدخل خارجي”.

وفي 23 يوليو تم من الإذاعة المصرية إعلان عزل الوزارة، وأن البلاد أصبحت أمانة في يد الجيش. وتبع هذا الإعلان لجوء الملك إلى السفارة الأميركية، والطلب منها التدخل لإنقاذ حياته. لكن وقّع الملك وثيقة التنازل عن العرش، وكان حين التوقيع في حالة شبه هستيرية. وأعطي الأمر كي يسافر على ظهر اليخت الملكي من ميناء الإسكندرية إلى إيطاليا وبصحبته 273 حقيبة وصندوقًا. وكان قد أعلن قبل سفره عن تنازله عن العرش، وكان اللواء محمد نجيب يودعه ويتابع إجراءات سفره من على ظهر اليخت. كانت آخر كلمات الملك: “لقد كنت أستعد لأفعل بكم ما فعلتم بي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.