الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

” القاهرة منتصف القرن التاسع عشر”..حكايات المحروسة بعين المستشرق “منصور أفندي”

0 89

خاص الهلال

>> ولد إدوارد لين في أوائل القرن التاسع عشر غربي لندن واتخذ قرارالسفر إلى الشرق متأثرا بقراءاته لـ “ألف ليلة”

>> رغم أهمية الكتاب الشديدة لأى باحث أو أكاديمي لما يحتويه من معلومات ووصف تفصيلي ودقة فى النقل إلا أنه كتب بأسلوب سلس يستهوي القارئ العادي

 

مؤكد لم يتواجد أحدنا على الأرض منذ مائتي عام، ورغم ذلك فالذي لا يعلمه أكثرنا أننا لازلنا نردد نفس المصطلحات التي أنشأتها القاهرة منتصف القرن التاسع عشر، نرددها بشكل تلقائي دون أن نعرف سر نشأتها.

حتى هذه اللحظة حين يسافر أهل الريف إلى القاهرة يقولون بتلقائية شديدة”إحنا نازلين على مصر”. ويسخر أهل المدينة من ذلك ويسعون لتصحيح خطأ أهل الريف قائلين:”اسمها القاهرة”، لكن ما يجهله أهل المدينة أنه هكذا كان يناديها الناس منذ مائتي عام، وأن قاطني الريف الذين لم تلوثهم حداثة المدينة لا يزالون يتوارثون حنين الماضي البعيد جدا.

نعيش فى شارع المعز وخان الخليلي والغورية وبين القصرين والأزهر والفسطاط وبولاق أبو العلا والحسينية والظاهر دون أن نعرف أسرار هذه الأماكن. نشاهد باب النصر وباب الفتوح وباب زويلة أثناء تجوالنا فى شوارع مصر القديمة واستمتاعنا بذلك المعمار المدهش ، لكن هل سألنا أنفسنا إن كان ذلك المعمار الحالي هو نفسه الذي تأسس فى بادئ الأمر أم طالته يد التغيير، وهل هذه البوابات متواجدة فى أماكنها التي تأسست بها فى البداية أم تنقلت أماكنها بين أسوار القاهرة؟!

حكاية حي الأزبكية وفندق شبرد ودار الأوبرا، مكانهما الحالي ليس هو المكان الأصلي، الآن نراهم على ضفاف النيل ناحية كوبري قصر النيل، أما بناؤهما الأول فكان قريبا من ميدان العتبة، تلك المنطقة التي ترزح اليوم تحت نير الباعة الجائلين ولا يستطيع السائر على قدميه المرور منها إلا بشق الأنفس، كانت قديما مسكن النبلاء والأمراء وضمت دارا للأوبرا والمسرح الخديوي (المسرح القومي حاليا) وفندق شبرد واحد من أعرق الفنادق فى ذلك الوقت، وقد نقلوا إلى مكانهما الحالي بعد حريق القاهرة منتصف القرن العشرين.

ذلك الحنين … كتبه المستشرق الإنجليزي الشهير إدوارد وليم لين في كتابه «القاهرة منتصف القرن التاسع عشر » والذي صدرت ترجمته للغة العربية عن «الدار المصرية اللبنانية»،  ترجمة دكتور «أحمد سالم سالم» ومن تقديم وإعداد «ستانلي لين بول». وهو يعد أول كتاب بعد كتاب الحملة الفرنسية يتحدث عن مدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى عصر المؤلف.منصور أفندي*

ولد إدوارد وليم لين فى السابع عشر من سبتمبر عام 1801 في مدينة هرفورد على بعد 166 ميلا غربي لندن، ودرس اللغة العربية قبل عام 1822، واتخذ قراره بالرحيل إلى الشرق ومصر بعد انتهائه من قراءة قصص ألف ليلة وليلة والتي كانت ذات تأثير كبير عليه، وكان قدومه للشرق ذا تأثير كبير على مصر أيضا.

وفي عام 1833 استقر بشكل رئيسي في القاهرة، وتحت اسم منصور أفندي عاش إدوارد لين حياة المصريين وارتدى زيهم وجاور عمائرهم الأثرية.

وبعد ثلاث رحلات إلى مصر بدأت عام 1825 وانتهت عام 1849 مسح فيها وليم لين البلاد مسحا كاملا، والاتصال بما استطاع من العلماء، ونسخ ما يستطيع الوصول إليه من المواد في آلاف الصفحات، وبذل قصارى الجهد فى الوصول إلى المخطوطات الأصلية الملحقة بمكتبات المساجد وغيرها، استطاع لين أن يقدم مجموعة متميزة جدا من الكتب منها، «المصريون المحدثون»، وكتاب «صف مصر».

لين الذي عشق القاهرة فاستقر فيها عام 1833 مجاورا أحياء القاهرة القديمة وأهلها مرتديا زيهم ومتطبعا بعاداتهم ليصبح اسمه منصور أفندي، وليكتب عن مصر فى تلك الفترة مجموعة من أهم الكتب التاريخية التي ترصد أدق تفاصيل مصر والقاهرة منذ نشأتها وحتى منتصف القرن التاسع عشر، وليفني ثلاثة عقود من حياته في مشروعه العلمي الأكبر، وهو قاموسه العربي الإنجليزي أو «مدّ القاموس An Arabic – English Lexicon»، وظهر الجزء الأول من القاموس عام 1863، وأدركته المنية سنة 1876 وهو لايزال في نصف الجزء السادس، فقام قريبه ستانلي لين بول بإتمامه ونشره سنة 1877، وتوجت مجهوده ذلك جامعة «ليدن» في عيدها المئوي الثالث سنة 1875 قبل وفاته بعام، بمنحه الدكتوراه الفخرية فى الآداب.

*القاهرة 1847

يقدم إدوارد وليم لين وصفا تفصيليا للقاهرة عام 1847 قبل أن تشق مظاهر الحداثة والتغريب طريقها إليها منذ وطئ الفرنسيون أرضها محتلين أواخر القرن الثامن عشر، تلك الظواهر التي ما برحت فى التعاظم مكتسحة أمامها أصالة ضربت بجذورها فى هذه الأرض، فالحنين الذي يستثير عواطفنا الآن لعوالم عشناها منذ نصف قرن هو فى الحقيقة حنين لأصالة شوهتها مظاهر التغريب، وأن الحنين الحقيقي يحتاج منا أولا قراءة مثل ذلك الكتاب لنعرف كيف كانت القاهرة الحقيقية منذ مائتي عام.

وعلى الرغم من أهمية الكتاب الشديدة لأى باحث أو أكاديمي لما يحتويه من معلومات ووصف تفصيلي ودقة فى النقل عمل عليهم سواء على مستوى الكتابة أو الترجمة ثلاثة أسماء أكاديمية مهمة، إلا أنه كتب بأسلوب سلسل يستهوي القارئ العادي قبل الأكاديمي. وقدم المترجم ضمن ترجمته للكتاب مائة وسبعين شكلا بين خرائط ولوحات وصور فوتوغرافية نادرة للقاهرة منتصف القرن التاسع عشر ونهايته بعضها ينشر للمرة الأولى سعيا منه للتسهيل على القارئ حتى يشاهد فعليا كيف كانت القاهرة القديمة.

ينقسم الكتاب إلى عشرة فصول، حاول المؤلف بإيجاز في أول فصلين منها ذكر أهم ما يتعلق بنشأة المدينة وتطور حواضرها القديمة التي تتابعت منذ نشأة الفسطاط مرورا بالعسكر والقطائع حتى إنشاء القاهرة، ثم تطورها وامتدادها بعد ذلك فى العصرين الأيوبي والمملوكي، اعتمادا على ما ذكره المقريزي. ومن الفصل الثالث بدأ في وصف المدينة الحديثة، بداية من بولاق وهو ميناؤها على النيل حتى المدينة نفسها بأسوارها وأبوابها. ومن الفصل الرابع أخذ في تقسيم ما سيتم تناوله داخل المدينة، بداية من قلعة صلاح الدين وتأسيسها وأهم المباني التي تشتمل عليها، ثم شوارع المدينة ودروبها وحاراتها ومتاجرها ومنازلها وأسواقها، يلي ذلك أهم المساجد داخل المدينة ثم أهمها خارج المدينة، وفى الفصل الثامن تحدث عن المقابر والجبانات، وأفرد الفصل التاسع عن جزيرة الروضة، واختتم الكتاب في الفصل العاشر بالحديث عن مصر العتيقة وأهم مبانيها القديمة كجامع عمرو وقصر الشمع.

الكتاب من ترجمة دكتور أحمد سالم سالم الأثري والباحث فى مجال التاريخ والحضارة الإسلامية مترجم كتاب تاريخ «مصر فى العصور الوسطى» لستانلي لين بول، وهو كتاب مهم جدا صدر أيضا في طبعته الأولى عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014،  وحازت ترجمته على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي. حصل أحمد سالم على ليسانس الآداب من قسم التاريخ، شعبة الأثار الإسلامية، من جامعة الإسكندرية سنة 2002، وعين مفتشا للأثار الإسلامية بالمجلس الأعلى للأثار، ووجه اهتمامه لدراسة الفترة العثمانية، فصدر له فيها كتابان: «السيطرة العثمانية على الحوض الغربي للبحر المتوسط في القرن السادس عشر»، و «استراتيجية الفتح العثماني»، إضافة إلى العديد من المقالات والترجمات المنشورة في بعض الدوريات المتخصصة.

وقدم الكتاب وأعد له المستشرق الإنجليزي ستانلي لين بول وهو ابن شقيقة المستشرق الإنجليزى إدوارد وليم لين، وأحد كبار العلماء المتخصصين في تاريخ مصر فى العصر الإسلامي ، وشغل لنحو عشرين عاما (1884 – 1892) وظيفة أمين القسم الشرقي للمسكوكات في المتحف البريطاني، من مؤلفاته: «فن العرب فى مصر»، و«معجم الأسرات الحاكمة الإسلامية»، و«صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس»، و«تاريخ مصر فى العصور الوسطى»، و«سيرة القاهرة».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.