الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

المنظور الناصري لعروبة “المسيحيون العرب”

0 66

كتب :جورج المصري

>> المفهوم الأمني كان  أكثر المفاهيم التي طورها عبد الناصر بربط الوطن العربي بأمن موحد يضيف إلى عوامل اللغة والتاريخ والمستقبل والدين

>> اعتقدت الناصرية بضرورة استيعاب المسيحيين العرب وإدماجهم في الاستراتيجيات القومية والتحررية ورفضت اعتبارهم أقليات

>> ساهمت الدولة الناصرية في بناء الكاتدرائية المرقسية بحضور شخصي مميز للزعيم الراحل. و نصف الكنائس في مصر عام 1970 تم بناؤها في عهد الثورة  أضافت الناصرية العديد من الأطروحات النظرية للفكر القومي وكان للزعيم الراحل جمال عبد الناصر إسهامات أيديولوجية وعملية في التصور العام لدور القومية العربية في تقوية الشعب العربي وانتزاع حريته واستقلاله ودفاعه عن مكتسباته.

ولعل المفهوم الأمني أكثر المفاهيم التي طورها عبد الناصر بربط الوطن العربي بأمن موحد يضيف إلى عوامل اللغة والتاريخ والمستقبل والدين المكونة للقومية. ونتيجة لذلك كانت فكرة (الكل في واحد) وتقوية أواصر الدعم بين طبقات وقوى الشعب لمجابهة التحديات المشتركة من الإمبريالية العالمية والصهيونية لأن العدو المتربص بالأمن العربي القومي الموحد يسعى إلى النفاذ من أية ثغرات داخلية.

اعتقدت الناصرية بضرورة استيعاب المسيحيين العرب وإدماجهم في الاستراتيجيات القومية والتحررية، ورفضت اعتبارهم أقليات يمكن استبعادها أو يسهل استقطابها من العدو الخارجي. إن هذا الإدماج الطوعي للمسيحيين في معارك البناء الداخلي اتخذ صوراً تاريخية في مصر على وجه الخصوص التي استطاع فيها جمال عبد الناصر تطبيق نموذجه الثوري. فلم يسبق المسلمون المصريون إخوانهم القبط في إقرار السيادة الوطنية حيث استردت مكونة الجماعة المصرية كلها حكم بلادها والدفاع عنها وبلوغ مؤسسات الدولة الجديدة في وقت واحد وكثمرة للكفاح التضامني. فالإقرار بحق المسلمين في حكم البلاد تزامن مع حق الأقباط في يد واحدة ووجدان مصري ولدت معه الجماعة الوطنية تعبيراً عن الممارسة الدينية المصرية على مدى قرون طويلة احتضن فيه الدين (الإسلام والمسيحية) جموع المحكومين.

ورغم  أن تنظيم الضباط الأحرار لم يضم قبطياً واحداً بين صفوفه ونحو 80 بالمائة ممن طبقت عليهم قرارات التأميم الاشتراكية كانوا من المسيحيين إلا أن إدراك جمال عبد الناصر لإدماجهم في المجتمع تم عبر قواعد بنائية وظيفية تدخلهم في صلب المعترك الاجتماعي. ولقد ترجم ذلك بالسماح لهم بالتمتع بكافة المنجزات الثورية كالتعليم والتوظيف الذي كان يتم طبقاً لشروط الكفاءة والمهارة بالمسابقات العلنية دون رشاوي أو وسطات خارجية كما تم التوسع في بناء الكنائس  وإقامة الشعائر المسيحية بكل حرية حتى ساهمت الدولة الناصرية في بناء الكاتدرائية المرقسية بحضور شخصي مميز للزعيم الراحل. ولذا فإن نصف الكنائس في مصر عام 1970 كان قد تم بناءها في عهد الثورة وأكثر من نصف طلاب الطب والهندسة (باعتبارها كليات القمة) كانوا من الأقباط.

وعلى الرغم من أن نسبة المسيحيين في مصر لا تتجاوز 20 بالمائة من السكان بأفضل التقديرات غير المحايدة فإن هذا التواجد عكس التوجه الناصري في إعطاء كافة حقوق المواطنة للأقباط بما فيها الخدمة العسكرية. وبدون الدخول في تفاصيل دقيقة فيكفي ذكر أن قائد عملية إغراق المدمرة إيلات وبطل معركة أبو عجيلة بعد النكسة مباشرة وصاحب فكرة استخدام خراطيم المياه لهدم خط بارليف ثم قائد الكتيبة التي خرج منها المقاتل محمد العباسي (أول من رفع العلم على سيناء عام 1973) وغيرهم كثير من الأقباط. لقد شكلت الحقبة الناصرية بلورة قوية لحل إشكاليات التكامل القومي التي ظهرت قبل الثورة وهو الأمر الذي اتضح تأثيره في أوساط الشباب القبطي الذين جذبتهم قوة الثبات في مناهضة الاستعمار ومعاداة الإمبريالية ومواجهة الصهيونية كما أثار حماسها شعارات الاشتراكية والمساواة وتكافؤ الفرص وحرية العبادة وهذا ما يؤكد حقائق عمق التجانس بين المواطنين. إن استقطاب المسيحيين العربي على قاعدة المواطنة والتساوي مع إخوانهم المسلمين تبلغ ذروتها في الفكر القومي المتقدم لجمال عبد الناصر حيث لا يمكن للمسيحيين احتكار أعمال بدائية في أسفل سلم الترقي الاجتماعي ولا يتم عزلهم في كانتونات طائفية أو تركيزهم في مناطق متدنية ولا توجد مساجلات فكرية تتعلق بالطبيعة العرقية أو الاثنية لأي جماعة من أفراد الوطن وإنما الالتئام والتوحد حول فكرة الكل في واحد تحت سقف مرجعي موحد يجعل من الصعوبة على العدو الخارجي استقطاب أياً من عناصره بدعوى التمايز والتمييز وجعله خنجراً في خصر الأمة العربية. وهكذا تكون الدلالة الواقعية لعروبة المسيحيين في الأمة وخاصة الأقباط هي مفهوم الأمن القومي العربي الشامل بانطلاقات تدعيم الجماعة القومية ضد المخاطر الخارجية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.