الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

النظام الجمهورى.. قيم ومعان

0 109

كتب :حلمي النمنم

فى عام 1953 ألغيت الملكية فى مصر، وأعلن قيام النظام الجمهورى، وكان ذلك نتيجة طبيعية للأحداث التى جرت فى مصر، منذ يوم 23 يوليو 1952.فى 26 يوليو 1952 تنازل الملك فاروق عن العرش لنجله الأمير أحمد فؤاد، الذى كان بالكاد، بلغ ستة شهور، وتم تشكيل مجلس وصاية على العرش، وكان من المقرر أن يظل هذا المجلس، حتى يتم أحمد فؤاد السن القانونية، لتولى الملك رسمياً، أى إلى سنة 1970، ولم يكن وارداً القبول بذلك من مجلس قيادة الثورة، ولا كانت الدولة تحتمل أن تسير برأسين وسيادتين، هما مجلس الوصاية ومجلس قيادة الثورة، يضاف إلى ذلك أن رشاد مهنا وكان فى مجلس الوصاية تعامل مع اللواء نجيب ، بغلظة وتحدث معه تليفونياً بأسلوب اعتبره مهيناً، وشكا نجيب لأعضاء مجلس القيادة، خاصة وأن رتبة وأقدمية نجيب العسكرية ، لم تكن تسمح لرشاد مهنا أن يتحدث معه بلهجة آمرة،والا أن يستدعيه،الأمر الذي أغضب أعضاء مجلس قيادة الثورة بشدة غير أن مهنا كان مصمماً على ذلك متصوراً أن دوره فى مجلس الوصاية يسمح له أن يتخاطب مع نجيب بالأسلوب الذى اتبعه، كانت تلك الأزمة واحدة من الأمور التى عجلت بإعلان الجمهورية، وقد أشار بهى الدين بركات فى مذكراته، التى نشرت مجلة المصور بعض فصولها سنوات السبعينيات إلى بعض تفاصيل تلك الأيام.
استقبل المصريون إعلان الجمهورية بفرح شديد، كانت الصحف المصرية، خاصة “أخبار اليوم”، نشرت الكثير من تفاصيل حياة وتصرفات الملك فاروق، وأمراء الأسرة المالكة، ولم يكن فى التفاصيل ما يرضى ولا يسعد غالبية المصريين، يمكن القول إن حلقات “ليالى فاروق” التى كتبها ونشرها مصطفى أمين

 

كانت أشبه بمدفعية ثقيلة دكت حصون الملك وأسرته، وكذلك ما نشر عن مغامرات الملكة نازلى والدة الملك فاروق.
ويمكن للمتابع أن يرصد وجود شارع بكل مدينة مصرية، يحمل اسم “الجمهورية” وغالباً ما يكون الشارع الرئيسى بالمدينة، ولما أسس ثوار يوليو جريدة تعبر عنهم أطلق عليها الجمهورية، وهى جريدة الجمهورية التى تصدر يومياً بانتظام، وكان البكباشى جمال عبدالناصر صاحب الامتياز بإصدارها، وكان محمد أنور السادات، أول رئيس لتحريرها، وقد أصبح كل منهما – فيما بعد – رئيساً للجمهورية.
وقتها – أيضاً – كان بعض المصريين، يطلقون على بناتهم، المولودات، اسم “جمهورية” وكان الاسم شائعاً ،تلك السنوات ،بين الأطفال من الفتيات، ثم اختفى الاسم، ولم تعد الأمر تطلقه على بناتها.
لم يكن الاحتفاء بظهور “الجمهورية” حكراً على الجانب الرسمى والشعبى فقط، لكن سوف نجد عدداً من أبرز المفكرين الليبراليين يرحبون ويحتفون، فى مقدمتهم أحمد لطفى السيد، أبو الليبرالية المصرية، حتى أن جمال عبدالناصر عرض عليه هو وزملاؤه، سنة 1954، أن يتولى رئاسة الجمهورية خلفاً للواء نجيب، لكنه اعتذر لسبب يدعو إلى بالغ الاحترام، فقد رأى أن تلك تجربتهم هم، ويجب أن يتقدموا هم إلى الشعب، وليس له أن يقفز، هو أو غيره، على تلك التجربة، وكان محمد حسنين هيكل – كما ذكر هو – رسول عبدالناصر إليه، وشرح د. إبراهيم بيومى مدكور رئيس مجمع اللغة العربية ، تلميذ لطفى السيد تفاصيل العرض، كان لطفى السيد استشار عدداً من تلاميذه فى الأمر، واتخذ قراره، ولنا أن نتخيل ماذا لو قبل أستاذ الجيل.. الفيلسوف.. رائد الليبرالية المصرية العرض وصار رئيساً للجمهورية، نعرف أن “لو” لا تصح فى مجال التاريخ والسياسة!!

الترحيب والسعادة بتأسيس الجمهورية، لم يكن من فراغ، ولا مجرد رد فعل على الغضب من سياسات وممارسات الملك فاروق، والملكة الأم والدته، فقط، لكن كانت الفكرة تتردد فى العقل المصرى، وتم التنادى إليها فى بعض اللحظات التاريخية.
حدث ذلك أثناء، أول مرة ، الثورة العرابية، وكان هناك تخوفاً لدى عرابى وزملائه من أن ينحاز الخديو توفيق كلياً إلى الإنجليز، مما يضر كثيراً بالبلد، وهكذا جرى التفكير فى عزله، لكن العزل يقتضى اختيار بديل عنه من داخل الأسرة العلوية، ولم يكن هناك بديل جاهز أمامهم، ولا كانوا متأكدين من أنهم لو وجدوا البديل فسوف يقبل وأن يوافق عليه ويصدر فرماناً بتعيينه السلطان العثمانى، فضلاً عن الدول الأوروبية، وهكذا جرى التفكير فى إزاحة توفيق وإعلان الجمهورية، لكن لم يتحول التفكير إلى خطوات فعلية، وليتهم فعلوها، فربما تغير الموقف بعض الشىء، على الأقل، لم يكن يجرى على مصر أسوأ مما جرى بانحياز توفيق التام إلى الإنجليز، وتمكينهم من تحقيق حلمهم القديم باحتلال مصر، على النحو البالغ السوء الذى تم سنة 1882.
بعد ذلك جرى التفكير فى إعلان الجمهورية، أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان الملك فاروق تعامل مع الألمان سراً، ورصدت المخابرات البريطانية كل

الاتصالات وما يجرى من إشارات بين القصر الملكي والألمان ، وقتها خشى النحاس باشا ودائرة المحيطين به على مصر، من مغامرة طائشة، مثل أن تعيد احتلال مصر مرة ثانية، على غرار سنة 1882، ولو حدث ذلك فإن مصر ترتد إلى ما قبل ثورة 1919، ويخسر المصريون مكاسب ثورة 1919، التى أدت إلى صدور تصريح 28 فبراير سنة 22 والذى منح مصر قدراً من الاستقلال، صحيح كان استقلالاً منقوصاً، لكنه استقلال فى النهاية، ثم كانت انتفاضة سنة 1935، والتى ترتب عليها توقيع معاهدة 1936، والتى حققت لمصر استقلالاً أكبر، وبمقتضاه خرجت القوات البريطانية من مصر، عدا منطقة القناة.
رأى النحاس باشا وعدد من الشخصيات المؤثرة أن الملك فاروق لو استمر فى الاتصال مع الألمان، سوف نخسر كل ذلك، وهنا جرى التفكير فى إعلان الجمهورية، لننجو بمصر، لكن الأمور سارت على نحو آخر، كما هو معروف فى التاريخ، إذ جرت أحداث 4 فبراير 1942، ونجت مصر ولم ينج الملك فاروق ، واخيرا النحاس والوفد بسبب توليه الوزارة ، اثر تلك الأزمة.
وفى عام 1950 يلقى القبض على تنظيم أو مجموعة، ضمت عدداً من العاملين بالقصر، كان بينهم “جاك تاجر” أمين مكتبة قصر عابدين، صاحب كتاب “مسلمون وأقباط”، قيل إنها كانت تخطط لاغتيال الملك وإعلان الجمهورية، الغموض يحيط بهذه المجموعة، التى انتهت بإعدام تاجر، لكن المعنى أن فكرة الجمهورية باتت متداولة.. يجب القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية سقطت عدة ملكيات وقامت مكانها جمهوريات، خاصة فى مناطق شرق أوروبا ووسطها، وفى أحد أعداد مجلة المصور، قبل إعلان الجمهورية، نشرت تحقيقاً عن ازدياد أعداد الجمهوريات حول العالم، واستطلاع رأى حول الأفضلية بين الملكية والجمهورية، وكان الانحياز واضحاً للجمهورية، وهكذا فحين أعلن اللواء أركان حرب محمد نجيب قيام الجمهورية، استقبل الأمر بترحيب كبير، وأصبح محمد نجيب رئيساً للجمهورية، بما أنه كان رئيساً لمجلس قيادة الثورة وقائدها أمام العالم وأمام الشعب المصرى.
لم يواجه النظام الجمهورى تحدياً كبيراً، وذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها أن الملك فاروق نفسه، لم يتشبث بالعرش، ولم يفعل كما يفعل بعض الملوك والحكام فى المنافى، لم يفكر فى العودة ولا سعى إليها، انشغل فى إيطاليا بحياته ومتعه الخاصة، ولم يكن هناك فى الأسرة من فكر فى استعادة الحكم، وهذا يحسب للملك فاروق ولأسرته، صحيح أن الأسرة كانت مزقت كثيراً، وكانت فى طريقها للتآكل، لكن لا الملك ولا أحد منهم، تنطع على الدولة أو الشعب المصرى، بل أقروا جميعاً بالواقع.
فى وقت سابق، حين عزل الخديو إسماعيل سنة 1879، حاول من أوروبا أن يعود ثانية وشكل نجله الخديو توفيق، وفق ما ذكره أحمد شفيق باشا، خلية لمتابعة والده ومراقبة محاولاته، ولما عزل الخديو عباس حلمى حاول كثيراً أن يعود، ولم يتوقف إلا بتسوية مالية ضخمة، أما فاروق ارتضى مصيره هو وأسرته، وهكذا لم تواجه الجمهورية تحدياً وجودياً.

ولما وقع العدوان الثلاثى على مصر، فكر البعض من السياسيين القدامى فى أن يتنحى عبدالناصر ويختفى هو ورفاقه من المشهد، وذهب المستشار سليمان حافظ يطلب ذلك من عبدالناصر مكرراً ما فعله مع فاروق من قبل، ولكن هؤلاء فكروا فى أن يعود محمد نجيب رئيسا للجمهورية ، وليس الملكية، ولما وقعت هزيمة الخامس من يونيه 1967، فإن الجمهورية ونظامها لم تواجه تحدياً وجودياً أيضاً، صحيح كانت هناك تحديات كبيرة، لكن كانت تتعلق بالتخطيط والعمل وليس بوجود “الجمهورية” والنظام الجمهورى.
التحدى الحقيقى الذى واجهته الجمهورية وتعرض له النظام الجمهورى، كان فى مطلع هذه الألفية، حين خيم شبح التوريث على رئاسة الجمهورية، وفى عام 2010 كان واضحاً على الأرض أن التوريث قادم.. قادم.. ولم تنف الرئاسة ذلك، كما لم تؤكده، ولم تتخذ إجراء يقطع للرأى العام بأن التوريث غير وارد، وكان ذلك واحداً من الأسباب القوية لانتفاض الشعب المصرى كله بدءاً من يوم 25 يناير 2011، ولما ظهر الرئيس الأسبق مبارك على شاشة التليفزيون مساء الأول من فبراير، يعلن للمصريين أنه لم يكن ينتوى خوض انتخابات الرئاسة “سبتمبر 2011” وأن نجله بعيد عن هذا الملف، كان معناه أنه أدرك أن التوريث يقلق المواطنين وأن طول البقاء فى السلطة يصيبهم بالملل، وأهم سمات النظام الجمهورى، أن لا تورث السلطة وأن لا تكون حكراً على شخص أو مجموعة بعينها، جوهر النظام الجمهورى “التداول”، أما فى النظام الملكى، يرث ولى العهد الموقع، ويبقى الملك مدى الحياة وفى الملكيات الدستورية سحبت الكثير من سلطات الملك إلى الحكومة التى تأتى بالانتخاب ويبقى الملك رمزاً شرفياً، أى يملك ولا يحكم، بريطانيا -المملكة المتحدة -النموذج الأشهر لذلك .
وبهذا المعنى فإن 25 يناير 2011 كانت انتصاراً ودفاعاً عن مضمون النظام الجمهورى ومبادئ الجمهورية، ولم تقم لإسقاطها كما تصور بعض السذج أو العدميين والفوضويين.
غير أن ما جرى بعد تخلى مبارك عن الحكم، هدد الجمهورية، بما هو أخطر من التوريث، إذ قفز إلى المشهد جماعة الإخوان، وفى ركابها كل من هم على شاكلتها، حتى تولى د. محمد مرسى الرئاسة فى 30 يونيه 2012، وفى خلال شهور بدا أنه يقود الدولة إلى منزلق وعر، إذ راحت الدولة تتحول معه نحو أن تكون “ثيوقراطية” الطابع، ثم راح مفهوم الدولة ذاته يتراجع نحو تحكم مجموعة مغلقة، هى مكتب الإرشاد، فى مفاصل الدولة، سعياً نحو اللادولة، واقتضى الأمر قيام ثورة 30 يونيه 2013، لتنتهى بعزل محمد مرسى وعشيرته، وتشن الجماعة الإرهابية من يومها حرباً ضروساً ضد اختيارات المصريين.
كان مطلب 30 يونيه وكتلتها الجماهيرية الضخمة، الحفاظ على الدولة فى مواجهة اللادولة، أى مجتمع المليشيات والطوائف، والحفاظ على مؤسسات الدولة، تجنباً للفوضى وإهدار القانون، والإصرار على الوطنية المصرية، فى مواجهة دعاة الأممية المذهبية أو الطائفية.
ولعل الرئيس عبدالفتاح السيسى، كان يقصد هذه المعانى وغيرها كثير، حين راح يتحدث فى بداية توليه المسئولية سنة 2014، عن “شبه الدولة” وضرورة أن ننتقل إلى مرحلة “الدولة” بمعناها الصحيح، ثم راح يحدد هوية ومعالم تلك الدولة،وحدد أنها دولة وطنية – مدنية – دستورية حديثة.
واليوم، نحن نستعد لخوض انتخابات رئاسية جديدة، لفترة رئاسية تبدأ من يونيه 2018 وحتى يونيه 2022، وهذه واحدة من أبرز معانى وقيم النظام الجمهورى.
وسبق للرئيس السيسى أن أكد أكثر من مرة، أنه لا يمكن له ولا لأى رئيس أن يجلس يوماً واحداً دون رغبة المصريين، وتلك أيضاً من قيم النظام الجهورى ومن نتائج ثورة 25 يناير، 30 يونيه.
قبل شهور ثار لغط شديد يتعلق بطلب عدد من نواب البرلمان تعديل الدستور، فيما يتعلق بمدة رئيس الجمهورية، وكان أن أعلن الرئيس عدم ترحيبه ورفضه لتعديل الدستور، بهذا الخصوص، مؤكداً أن ثمانى سنوات تكفى أى رئيس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.