الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

باقة من الأمهات

0 81

دكتور / محمد المهدي

حين نسمع كلمة “أم” تتوارد إلى ذهننا الصورة النمطية الرومانسية المحبوبة للمرأة الأم تدور حول محور الرعاية والحنان والحب والطيبة والعطاء والإيثار , وهي صورة موجودة بالفعل كثيرا , ولكن تغيب عنا أنماط أخرى من الأمهات تملأ حياتنا وتؤثر فينا سلبا وإيجابا . ومنذ سنوات طويلة أقوم بمحاولة رصد وتصنيف لأنماط من الأمهات كما أراهن في جلسات العلاج النفسي في العيادة النفسية وفي الحياة الأوسع على أمل أن نربط من الناحية العلمية بين بعض صور الأمومة وبين الصحة النفسية أو المرض النفسي , حيث كان ثمة اعتقاد أن بعض الأمهات يساعدن على ظهور مرض التوحد (الأم الثلاجة – باردة المشاعر) أو الفصام (الأم المرتبكة والمربكة – الباعثة للرسائل المزدوجة ) أو الإكتئاب (الأم المفقودة – الميتة حقا أو مجازا) , وبناءا على ذلك رحت أجمع من اللغة العربية واللغات الأخرى ومن الحياة أنماط من الأمهات بغرض التوصيف الطبي ومحاولات الإصلاح العلاجي , ولكن مع مزيد من النضج العلمي اتضح أن هذا الربط غير صحيح وأن التوحد والفصام على وجه الخصوص اضطرابان عضويان بالمخ ليس للأم ولا لصفاتها ذنب فيهما .

 ومع مزيد من النضج الشخصي والإنساني اتضح أن هناك تجليات لحالات الأمومة تواكب احتياجات أطفال متنوعين في طباعهم , أو أن تلك الباقة من حالات الأمومة تكمن وراء تنوع طباع البشر , ذلك التنوع الذي يثري الحياة بألوان شتى من الأشخاص قد نستنكر أو نستنكف طباع بعضهم على المستوى الطبي أو العلاقاتي , ولكن على المستوى الإنساني الأعمق نرى أن هذا التنوع ضرورة كونية لتوازن الحياة واستمرار تفاعلاتها وحيويتها وحرارتها.

وفيما يلي بعضا من أنماط وتجليات حالات الأمومة نقرأها ليس فقط دون وصم علمي مسطح , ولكن بتقدير وانبهار بعبقرية الأمومة التي أودعها خالق الكون بحر الحياة الأوسع لتؤدي وظيفتها في حفظ الحياة وإضفاء جمال التنوع وروعته عليها :

  1. الأم الحنّانة : طيبة , ودودة , راعية , تحوط أبناءها بكل مشاعر الحب والحنان , وقد تبالغ في ذلك إلى درجة الإغراق بالحنان .
  2. الأم الزنّانة : كثيرة الشكوى , كثيرة المطالب , كثيرة الإلحاح , بما يجعل الأبناء إما يستجيبون لها رأفة بها أو تلافيا لإلحاحها , أو يبتعدون عنها حماية لأنفسهم منها .
  3. الأم المنّانة : كثيرة المن على أبنائها وتذكيرهم بما قدمت لهم من عطاءات وما قدمت من أجلهم من تضحيات , لدرجة يتمنى معها الأبناء لو لم تكن قدمت لهم شيئا , ومع ذلك هي مستمرة في عطائها.
  4. الأم الحزنانة : أغلب أوقاتها حزينة منكسرة مقهورة يائسة بائسة “نكدية”, تشكو ظلم الزمان وتخاف على أبنائها وبناتها مما يخبئه الزمن لهم من بؤس وشقاء .
  5. الأم الغضبانة : سريعة الغضب والإنفعال , تدفع بمشاعر الضيق لديها إلى محيط أبنائها , وتعتقد أنهم (وربما أبوهم معهم) سبب شقائها وعصبيتها , ومع ذلك لا تحتمل أن يصيبهم أي مكروه .
  6. الأم السعرانة : تجرح من يقترب منها أو من أبنائها , وهي دائما متحفزة للرد العنيف المبالغ في عنفه , هي كالقطة الشرسة تدفع عن نفسها وعن أبنائها أي هجوم محتمل .
  7. الأم الحيرانة : تائهة ضائعة لا تعرف ما الذي يتوجب عليها فعله تجاه أبنائها فتبحث لدى الناس وفي صفحات الكتب عن نصائح ترشدها ولكن حيرتها لاتتبدد وتظل مرتبكة في أمومتها .
  8. الأم الغرقانة : غرقت في مشكلاتها أو أحزانها أو ذكريات ماضيها فلم يتبق لأبنائها منها غير جزء بسيط يظهر على السطح يؤدي وظيفة الأمومة في أضيق الحدود .
  9. الأم الولهانة : دائما محبة لأبنائها ومتعلقة بهم أكثر مما ينبغي وبالتالي تبدو عليها علامات القلق البالغة تجاههم , وإذا أصاب أحدهم مكروه تصبح في حالة هلع دائم .
  • . الأم الهيمانة : تهيم حبا بأبنائها إذا حضروا , وتهيم شوقا بهم إذا غابوا , فهي تدور في فلكهم وتعيش فقط على حبها لهم وحبهم لها .
  • الأم السرحانة : غارقة في أفكارها وذكرياتها وتأملاتها وآلامها ولا تنتبه بسهولة لاحتياجات أبنائها إلا بتنبيه أشد في ظروف الطوارئ .
  • الأم الهربانة : هاربة من أمومتها في نجاحها الشخصي أو في علاقاتها العامة أو الخاصة أو في أحلامها وطموحاتها .
  • الأم الخدّامة : لاتكف عن العمل المنزلي (طبخا وتنظيفا) ليلا ونهارا في خدمة أبنائها وكأنها مجرد خادمة أو جارية لديهم , وتشعر بالذنب أو القلق أو الخوف لوتوقفت لحظة عن تقديم الخدمة .
  • الأم الفلتانة : ليست لديها ضوابط في السلوك , بل تندفع وراء مشاعرها واحتياجاتها ورغباتها الشخصية فتدع أطفالها حيرى وتدفع بهم إلى مسارات غير محددة من السلوك.
  • الأم السهرانة : قلقة دائما على صحة أبنائها وسلامتهم واحتياجاتهم , لذلك تقضي جزء كبير من ليلها تتفقدهم وهم نيام , تغطي المكشوف , وتمرض المحموم , وتطمئن الملهوف .
  • الأم النعّابة : كثيرة الشكوى من المرض أو من مصاعب الأيام أو من جحود الأبناء , وشكواها قد تكون صرخة استغاثة أو طلب للرعاية والإهتمام أو جوع للحب أو طريقة غير ناضجة للتواصل .
  • الأم الندّابة : دائما تندب حظها في زواجها وفي تصرفات أبنائها , ودائما تتذكر الأحداث المأساوية في حياتها وتعتقد أنها سيئة الحظ ولم تحصل من الحياة إلا على المشاكل والأزمات .
  • الأم العنكبوت : تحوط أبنائها بخيوطها حتى لا يفلتوا منها , فتداوم الإتصال بهم , وتصر على معرفة كل شئ عنهم وتحوطهم بالمتابعة وربما المراقبة ولا تطمئن إلا لوجودهم في محيطها وتحت أعينها وفي نطاق نفوذها , وهي تفعل كل هذا بشكل هادئ ورقيق .
  • الأم المبتلعة (أمنا الغولة) : فهي من فرط حبها ورغبتها في امتلاك أبنائها وخوفها من ابتعادهم عنها أو استقلالهم تحاول أن تجعلهم ليس فقط قريبين منها وإنما في حضنها ولو أمكن داخل كيانها , وكأنها ترغب في أن تستعيدهم داخل رحمها مرة أخرى .
  • الأم السوسة : كثيرا ما تتدخل في حياة أبنائها وفي حنايا وجودهم بحجة أنها تريد المحافظة على سلامتهم , وهي تعتقد أنهم ملكية خاصة لها وعليها أن تسرح في كل تفاصيل حياتهم اليومية وأن تتوغل داخل خلاياهم .
  • الأم الناموسة : تحوم حول أبنائها وتنبههم لوجودها (كالناموسة تحوم حول النائم) وربما تلدغهم لدغا خفيفا ومؤلما في ذات الوقت إذا غفلوا عنها .
  • الأم الجاسوسة : لا تتوقف عن التجسس والتنصت ومحاولة معرفة أدق تفاصيل حياة أبنائها والوصول إلى أسرارهم الخاصة بحجة حمايتهم من الخطر .
  • الأم النحلة : لا تتوقف عن “الزن” في أذن أبنائها بالتوجيهات والنصائح , أولا تتوقف عن العطاء لهم , أو لا تتوقف عن العمل من أجلهم .
  • الأم الوتد : تحرص على أن تربط بين أبنائها وتكون محور الإرتكاز للأسرة كلها وربما للعائلة الأكبر , فالجميع مرتبط بها ومرتبط من خلالها ببقية إخوته , وحين تموت قد يفترق الجميع .
  • الأم الواعية : لديها درجة عالية من الوعي باحتياجاتها واحتياجات زوجها واحتياجات أبنائها , ولديها وعي فطري أوسع وأعمق بالحياة , وتوظف كل ذلك لصالح رسالتها كأم وزوجة وامرأة وإنسانة .
  • الأم الملهمة : تلهم أبناءها (أو أحدهم) فتجعل منهم عظماء ومبدعين ومصلحين , فهي تحمل في نفسها رسالة عظيمة للحياة تحققها من خلال الأبناء (أو من نبغ منهم) , وهي في النهاية صانعة البطولة والعظمة .
  • الأم الكاملة : تحمل العديد من مزايا الأنواع السابقة وتتفادى الكثير من عيوبها , وهي أم متوازنة في مشاعرها وفي عطائها وفي سلوكها .

 

وأخيرا فهذه حكمة الله في خلقه وقدرته في تنوع مخلوقاته كي تبرز لنا تجليات الأمومة كباقة من الزهور المتنوعة (وربما بعض الأشواك) في عبقرية نعجز عن فهم أبعادها ومراميها وحكمتها , وتظل الأمومة نعمة كبيرة حتى ولو بها بعض الشوائب .

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.