الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

بين الآلهة والملوك والشعب العلاقات الجنسية.. كيف رآها المصريون القدماء

0 114

كتب :محمد شمروخ

على أحد الجدران داخل إحدى القاعات المواجهة على يمين الداخل من الباب الرئيسي لمعبد أبيدوس بمنطقة العرابة المدفونة بجنوب محافظة سوهاج، توجد هنا لوحة جدارية بالحجم الطبيعي أو أكثر قليلا لعدد من آله مصر القديمة من بين أحد هؤلاء الآلهة من نالت يد التشويه العمد أحد أعضاء جسده وهو يقف وعلى رأسه ريشتان تميزانه، إنه الإله مين إله الجنس والإخصاب في مصر القديمة، والتشويه لم يكن لأسباب عقائدية كعادة تشويه تماثيل وصور الآلهة المصرية القديمة على اختلاف العصور، فلم ينل التشويه الوجه، بل ذهبت اليد المشوهة إلى موضع “عضو الذكورة” الذي امتد أفقيا من جسم هذا الإله، فالواضح إذن أن التشويه كان خجلا من هذا المشهد الفاحش.

كذلك تنتشر صور مين بكثرة في معابد أخرى، خاصة معبد آمون في الكرنك بالأقصر وأيضا في مقصورة سنوسرت بالمعبد نفسه.

لكن الواضح من المتأمل لهذه الصورة أن وجه الإله مين نفسه لا تبدو عليه إيه ملامح مناسبة للمشهد الإباحي، فلا أثر للإثارة أو الهياج الجنسي على ملامحه، بل الصورة شأن صور الآلهة والملوك راسخة مطمئنة تعطى معنى الخلود الهادئ.

ولكن من هو مين؟!

تخبرنا الدراسات والموسوعات والمعاجم أنه إله موغل في القدم وأنه فيما يبدو كانت له مكانة عظيمة بين مجمعات الآلهة في عصور ما قبل الأسرات وارتبط أكثر بمنطقة جنوب الصعيد خاصة “أخميم” التى تحمل في اسمها الحالي تريفا لاسمه وهو يظهر في كل تماثيله وصوره بهذا المشهد في كل المواقع الأثرية الأخرى، لكن من السخف أن نتهم المصريين القدماء بالإباحية والدعوى لتحلل الجنسي لمجرد تكرار صور هذا الإله بقضيبه المنتصب، لأن المعنى الذي تعلق بمين هو معنى النماء والإخصاب وليس الإثارة والمتعة، فالمصري القديم تعامل مع الجنس تعامله مع عملية تنتج الحياة وهو أصل العلاقة بين الذكر والأنثى ولولاه ما حدث التناسل، فلا مدعاة للخجل في هذا، فالمصريون القدماء كانوا أكثر نضجا وتفتحا من كل من لحق بهم من أمم في التعامل مع العلاقات الجنسية، فصورة وجه مين وامتشاق جسده في ردائه الذي يلف به جسده مع السوط ذي الفروع الذي يمسك به ويشهره في الهواء مع الريشتين اللتين تميزانه ويسدل منه رداء أحمر يدل على قوة الفحولة، كل ذلك ينفي التعامل مع العلاقة الجنسية على أنها علاقة لمجرد المتعة واللهو، قد يكون ذلك في بعض الآلهة الأخرى على مر التاريخ المصري القديم، لكن مين لم يقدم على أنه إله هازل ولم تحكى عنه قصص تدل على أنه كان إلها للهو والمرح كما قد يبدو في آلهة أخرى مثل هاتور أو بس أو ديونسيوس وقد وحد الإغريق فيما بعد بينه وبين الإله “بان” ربما ليخرجوه من الصورة المغرقة في الجدية التى لا تتناسب مع المرح واللهو الذي يصل إلى العربدة في آلهة الإغريق التى هي منحدرة أساسا من الآلهة المصرية وقد تحلل الإغريق والرومان في آلهتهم وطقوس عباداتهم من هذا الوقار الذي كان يميز العقائد المصرية القديمة.

ويذكر أنه في بداية موسم الحصاد كان يؤخذ تمثال “مين” من الهيكل ويقدم إلى الحقول في مهرجان يطلق عليه “رحيل مين عندما يبارك الحصاد” وتلعب الألعاب بلاعبين عاريي الجسد تكريما له، والأكثر أهمية من ذلك هو إجراء مسابقة في تسلق عامود أو خيمة كبيرة الحجم وكان تمثال “مين” يحمله الكهنة على أعمدة وكل منهم ملتف في جلباب مزدان بألقاب الملك وبالشكل الذي لا تظهر فقط فيه إلا رؤؤسهم وأقدامهم من أعلى وأسفل الجلباب, وتتبعهم مجموعة أخرى صغيرة من الكهنة حاملة معها لفائف نبات الخص, وكان يقاد أيضًا ثور أبيض في الموكب، إذ كان مين يلقب بـ”ثور أمه” بينما تماثيل الملك ورموز أو علامات الآلهة ترفع على الساريات. وعندما يرتقي الملك العرش، فإن سنبلة قمح كانت تقطع للإله وتطلق أربعة طيور لأركان للمعمورة تحمل البشائر المكتوبة عن العيد.

فمين إله يرمز إلى استمرار الحياة مع القوة أيضا والقدرة على التخصيب وكان غذاؤه المفضل هو نبات الخص الذي رأى المصري القديم في عصارته ما يشبه السائل المنوي للرجال والذي يكمن فيه أصل الحياة وسرها المقدس.

وفي بقيه المشاهد الجنسية الأخرى الواردة عن الفراعنة نجد مثل هذه الجدية التى تنم عن تقدير المصري القديم لفعل الحياة وتخليه عن الخجل الطفولي في التعامل مع العلاقة الجنسية، نجد في الأسطورة الخالدة “إيزيس وأوزوريس” أن إيزيس عندما انتهت من جمع أعضاء أوزوريس بعد أن قطعه ست، قامت بالتشكل في هيئة طائر لتلقى جنسيا بجسد أوزوريس حتى تحفظ نسله ولتأتى منه بحورس كما في الروايات الشهيرة عن أحداث الأسطورة الخالدة.

ولابد من الإشارة هنا إن إحدى الروايات عن “مين” نفسه، أنه ابن لهذين الزوجين الإلهيين وشقيق لحورس نفسه.

كما أن هناك قصص شعبية تنتشر عن الإله مين ربما تكون محاولة لتفسير تقديسه بأنه كان من الفحولة أنه قام بمضاجعة كل نساء المنطقة التى يعيش فيها بعد غياب كل الرجال في الحرب وبذلك حفظ بقاء النسل وهذه القصة مازال يحكيها البعض من سكان القرى القريبة من المعابد التى يظهر فيها “مين” بنوع من التعجب المخلوط بالسخرية وهم يرونه في هيئته التي يظهر بها.

ولكن علاقة الجنس في حياة المصري القديم كان يتم التعامل معها على أنها علاقة مقدسة، لذلك تغلظ عقوبة العبث بها، وفي قصة “الشقيقان” التى تحكي عن عشق زوجة لشقيق زوجها وعندما راودته عن نفسه وامتنع، دبرت له مكيدة “ولعلها تحريف لقصة النبي يوسف مع امرأة عزيز مصر” لتتهمه بمحاولة إقامة علاقة غير شرعية معها، نجد أن الفعل يقدم على أنه فعل رذيلة، فلقد كان المصريون هم الذين وضعوا أساس الأسرة وقدسوا العلاقة الزوجية ووضعوا قواعد وأسس لها، حتى أن عقوبة الزنا تصل إلى إحراق الزانية كما ذكر معجم الحضارة المصرية القديمة.

ولكن شأن أي مجتمع بشري لابد أن نجد صورا متفرقة للتهتك والتحلل في العلاقات الجنسية في حياة المصريين القدماء فهناك في متحف مدينة “تورين” في إيطاليا، بردية تحكي عن هيام كاهن معبد بمعشوقته التى يتغزل فيها غزلا صريحا ويصف جسدها بألفاظ صريحة وهناك عن قصص استمتاع بعض الملوك بالجواري الحسان من السبايا أو من غيرهم.

كما لم تتحرج حتشبسوت من أن تأمر الكهنة باختراع قصة أن الإله آمون رع قد تنكر في هيئة أبيها الملك تحتمس الأول وضاجع والدتها التى أسكرتها رائحة الإله المقدسة فاستسلمت له لتكون حتشبسوت نفسها هي ثمرة هذا اللقاء الإلهي الإنساني، والذي كان سند حتشبسوت لترتقي العرش الإمبراطوري، فالمصري القديم لا يرى تعارضا بين قداسة الآلهة وبين فعل الجنس المقدس.

وكثيرا ما تذكر الملكات والأميرات على أنهن “زوجات آمون المقدسات” أو “حمت نتر إن آمون” باللغة المصرية القديمة وكان لقباً خلال الدولة الحديثة في مصر القديمة و استمر من بدايات الأسرة الثامنة عشرة حتى الأسرة السادسة والعشرين وكانت زوجة الملك في الغالب تحمل هذا اللقب، حيث كانت تقوم بطقوس دينية تختص بالإله آمون، لكن أحيانا كانت تحمله ابنة الملك الكبرى وقد كان هذا اللقب متوارثا للابنة عن أمها.

أما عن العلاقات الجنسية غير السوية فإنها يندر الإشارة لها ولم يأت ما يقطع أو حتى يشير بوضوح إلى مجرد ترحيب المصريين القدماء بعلاقات غير سوية برغم التحرر الذي يبدو في تناول هذه العلاقات والترف الذي عاش فيه ملوك مصر في بعض الأحيان كما يبدو فيما ورد عن الاحتفالات الملكية لاسيما في عصر الأسرة الثامنة عشرة وما ثبت عن صور الترف في عهد “أمون حتب الثالث” والد إخناتون وهي صور تظهر مدى التحرر والرفاهية ولكن لم تثبت وجود علاقات غير سوية ليس في هذه الأسرة أو في غيرها إلا مع المتعسفين الذين يستهويهم المراء في قراءة وتأويل النصوص الواردة فقد  ورد في الملحمة الخالدة التي تحكي قصة “إيزيس وأوزوريس” أنه في أثناء نظر مجمع آلهة مصر لقضية الصراع بين ست وابن أخيه حورس، أراد ست أن يشوه خصمه، فحاول أن يصمه بالشذوذ الجنسي لينال احتقار أعضاء المحكمة فيحكموا لصالح ست بأحقيته في حكم البلاد، إذ لا يليق أن يجلس على عرش مصر ملك مصاب يهذا المرض النفسي والأخلاقي!.

العجيب أن ست لم يخجل من إقراره أمام المحكمة أنه هو الذي قام بالفعل الشاذ “إيجابيا” مع “حورس” لكن حورس حسب النص الذي ورد ضمن فصل “المخاصمة بين حور وست” في كتاب عالم المصريات الكبير الدكتور سليم حسن “الأدب المصري القديم.. أدب الفراعنة” استطاع بمساعدة من أمه إيزيس، أن يكشف كذب ست ودحض التهمة عن نفسه وثبتت براءته من الادعاء المشين.

فقد احتقر المصريون القدماء هذا الفعل الشاذ وكانت محاولات المغرضين لإثبات قبول مثل هذا الفعل، واضحة التعسف حينما أرادوا تفسير صورة يقترب فيها شخص من كبار رجال الدولة في الأسرة الخامسة يدعى “خنوم حتب”، من شريكه في القبرة “وني أنخ خنوم” حتى يبدوان وكانهما يقبلان بعضهما وجها لوجه وهو تفسير مغرق في التعسف إذا أن اقتراب الشخص من الآخر حتى تكاد تتلامس أنفيهما عند السلام لا يمكن أن يفسر على أنه فعل شاذ إلا لمن أراد المراء.

وهناك قصة عن بيبي الثاني بينة التعسف إ إذ اعتبر الممارون أن مجرد تسلل الملك بيبي الثاني “من ملوك الأسرة السادسة” إلى بيت أحد قواده والسهر معه وأن هذا القائد يقدم كل ما يجلب اللذة إلى الملك بيبي الثاني وقصر أولئك الممارون “ما يجلب اللذة” على الفعل الشاذ وحده وكأن سهر الملك مع قائده لا يمكن تصور وجود لذات أخرى به غير هذا.

كما وجدنا التعسف يبلغ مداه في تفسير بعض المتعسفين لمشهد تقبيل أخناتون لإحدى بناته وهي تجلس على رجليه وكأنه فعل شاذ من أخناتون وهو تفسير لا ينم إلا عن تفكير منحرف من عقلية مريضة لا تستحق الجدال.

لكن المجتمع المصري – قديما وحديثا- به الكثير من الأمراض الأخلاقية شأن أي مجتمع آخر، فالمعيار الأساسي هو مدى تعامل المجتمع مع الانحراف الجنسي ومستحيل أن يعترف المجتمع المصري القديم بالشذوذ دون ظهور ذلك بوضوح في الآثار، خاصة وأنه ورد في “كتاب الموتى ” في الإعلان السابع والعشرون من الكتاب “التأكيد من قبل المتوفى أنه لم يكن له علاقات جنسية شاذة”.

فحتى من وجود من يقوم يمثل هذه الممارسة، فإن المجتمع لم يعترف بها واعتبرها عملا مشينا شأن أي ممارسات منحرفة يقوم بها الأفراد في المجمعات الإنسانية.

ففي كل زمان ومكان هناك أفعال شائنة ووجود الشذوذ الجنسي من بين الممارسات الممجوجة لا يمكن إنكاره لكن هذا الوجود لا يصلح أن يكون سندا شرعيا للقبول به والتعامل معه على أن أمر سوي وإلا قبلنا بكل أنواع الانحرافات الأخلاقية المنحرفة والتى تتجاوز الانحراف إلى الجريمة!.

محمد شمروخ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.