الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

جنازة في بيت أم الرزق

0 79

كتب:محمد شمروخ

>> أعلن الراديو وفاة الرئيس جمال عبد الناصر فأطلقت “أم الرزق” صرخة مدوية كانت إيذانا ببدء فعاليات المأتم العظيم الذي خيم على القرية وعلى مصر والمنطقة العربية كلها

>> قررت أم الرزق  أن تنصب مأتما لجمال عبد الناصر في بيتها، فلن تفقد أقرب ولا أعز من بطل العروبة
>> لم يكن حزنها حزنا صوريا، فمثل هذه السيدة لا يوجد ما يدعوها للادعاء وهي لا مصلحة لها في ذلك، حتى أنها لم تستفد مباشرة ملماذا بيت “أم الرزق”

لم يشغل السؤال بال أحد من أهل القرية في عمق الصعيد الجواني، عندما فتحت أم الرزق بيتها لتعده لاستقبال المعزيات في جنازة جمال عبد الناصر.

علمت أم الرزق بنبأ وفاته من العمدة الذي سمعه للتو من الراديو الذي كان الوسيلة الإعلامية الوحيدة المتاحة يومها.

فجأة انقطع بث البرامج العادية وبدأت تلاوة القرآن، فوضع الناس أيديهم على قلوبهم الوجلة من الترقب بعدما يزيد على ثلاث سنين من الهزيمة المريرة في 67 واستشعر الناس نبأ عظيما ولكنهم لم يكونوا يدرون ماذا يكون، حتى أعلن الراديو وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وساعتها أطلقت “أم الرزق” صرخة مدوية كانت إيذانا ببدء فعاليات المأتم العظيم الذي خيم على القرية وعلى مصر والمنطقة العربية كلها.

وراحت أم الرزق تضرب صدرها وجانبي رأسها تحت شالها الأسود وهي تقفز وتنزل على الأرض على عادة الندابات عند سماع خبر فقد عزيز ثم ترب صدرها لتقول بصوت مرير:

ـ يا بطل العروبة!وراحت تردد بطل العروبة ناصر.. بطل العروبة ناصر.

ثم أسرعت مولولة إلى بيتها الذي يبعد قليلا عن بيت العمدة لتجهز للجنازة- جنازة؟!

– نعم جنازة، فأم الرزق قررت أن تنصب مأتما لجمال عبد الناصر في بيتها، فلن تفقد أقرب ولا أعز من بطل العروبة.

وبيتها وإن كان أقل من أي تصور عن تصور مظاهر الفقر والبساطة ولكنه يصلح لاستقبال المعزيات، فقامت بإعداد البيت بمساعدة جاراتها على عادة ما يفعلن في الجنائز في الصعيد، ففرشن الأرض بالحصر والأكلمة، حيث كان النساء في الجنائز يجلسن على الأرض المفروشة طوال أيام المأتم.

لم تكن أم الرزق وحدها في إعلان الحزن في صورته التى تمارس في القرية عند كل جنازة، فالتف حولها كل نساء القرية ليقمن في بيتها مأتما لا ينسى لبطل العروبة في بيتها.

وجميع ما كان يفعل في الجنائز فعلنه في جنازة بطل العروبة في بيتها الذي يقع في وسط قرية الرئيسية وكثير من القرى حدث فيها هذا المشهد.

ومع أنني رأيتها بعد وفاة جمال عبد الناصر بزمن طويل، إلا أنها كانت بمجرد تذكره يظهر حزنها الشديد على وفاته وكأنه ابنها الذي ثكلته للتو وكانت لا تذكره باسمه لأن لقب “بطل العروبة” هو المفضل لديها عن بقية ألقابه وأسمائه.

و”أم الرزق” ترى في ملامح وجهها ملامح المرأة المصرية عموما ستجدها في امرأة قريبة منك حتما، إن لم تكن أمك فجدك أو عمتك أو خالتك أو أي من قريباتك؛ ولأقرب لك الصورة؛ عندما يطل وجهها في ذاكرتي أجد فيها خليطا من ملامح الفنانتين أمينة رزق وآمال زايد، وكانت دائما مجللة بالسواد على عادة المترملات في الصعيد وهي قد جربت الترمل مرتين وأنجبت عدة أبناء.

وهي لم تر جمال عبد الناصر أبدا ولا حتى رأت صورته في غير البيت الذي تعمل فيه، حيث كان الدكتور ماهر الذي يستعد للتخرج في كلية الطب أصغر أبناء صاحب البيت والذي شاركت أم الرزق أمه في تربيته، كان يعلق في غرفته صورة كبيرة لجمال عبد الناصر ولا ينقطع في الحديث عنه وكان يصفه لها عندما كان يراه في القاهرة وعندما كان يجتمع به بين طلبة مدرسة المتفوقين بالقاهرة، كما كانت تسمع خطبه في الراديو الكبير الذي يضعه والده الشيخ عبد الرزاق في صدر بهو المنزل ويلتف حوله الناس ليستمعوا إلى خطب عبد الناصر أو حفلات أم كلثوم.

لم يكن حزنها حزنا صوريا، فمثل هذه السيدة لا يوجد ما يدعوها للادعاء وهي لا مصلحة لها في ذلك، حتى أنها لم تستفد مباشرة من حكم جمال عبد الناصر، فلا هي ولا أسرتها من المستفيدين بالإصلاح الزراعي ولا كان في أهلها من استفادوا من مشروعات عبد الناصر في الصناعة ولا غيرها.

لكنها رأت وحدة صحية ومدرسة جديدة ابتدائية ولأول مرة مدرسة إعدادية تخدم 4 قرى أخرى حول القرية التى لم يكن بها سوى مدرسة ابتدائية صغيرة وقديمة بنيت بالطوب اللبن بنيت سنة 1906.

هناك كذلك جمعية زراعية والأروع من ذلك كله، عمدان الكهرباء التى أنارت شوارع القرية لأول مرة وبدأت تدخل البيوت جاءت من السد العالي الذي أبعد للأبد شبح الغرق في فيضان قد يأتى مدمرا لقريتها الواقعة على النيل مباشرة.

وفوق كل ذلك، كان هذا الشعور الكبير بالقوة والعزة، بل حتى الهزيمة لم تكن ذات بال عندها سواء هي أو من هم مثلها، بل ازدادوا به تمسكا، كان لديهم ثقة عجيبة بأن ناصر سيرد إلى اليهود الصاع صاعين.

ويوم الجنازة الرسمية لتشييع جثمان عبد الناصر، صدر الإذن للعمد والمشايخ في جميع قرى مصر بعمل مسيرات لجنائز رمزية يحمل فيها نعش على الأعماق عليه صورة جمال عبد الناصر.

وتقدم الجنازة العمدة وعضو مجلس الأمة وضابط نقطة الشرطة وطبيب الوحدة الطبية ومدير الجمعية الزراعية ونظار المدارس والمدرسون والمشايخ وبقية كبار العائلات وشباب القرية وتلاميذ وطلبة المدارس، حيث جابت الجنازة كل الشوارع وشارك فيها كل أهلها وأمام بيتها وقفت أم الرزق لتنتظر مرور الموكب الجنائزي، حيث خرجت تثير التراب وتلطم وجهها ثم سارت خلف النعش ومعها عدد من النسوة يطلقن صراخا مريرا ثم عادت معهن إلى بيتها الذي نصبت فيه الجنازة منذ يوم الوفاة.

وكانت المعزيات يحرصن بعد آداء أعمالهن المنزلية اليومية،على الذهاب طوال أيام العزاء إلى بيت أم الرزق ليشاركن في “العديد” فكانت كل واحدة تردد ما تحفظه من العديد المناسب لهذا الخطب الجلل والنساء يرددن وراءها!.

كان كل بيت في كل قرية ومدينة في مصر، خاصة البسطاء من الناس الذين  كانوا يرون في جمال عبد الناصر واحدا من صميمهم، هو واحد منهم بالفعل والقول لا يستكبر عليهم ولم يسكن القصور ولا امتلك هو ولا عائلته الأبعديات ولا كانت له عزبة باسمه ولا باسم أحد من أهله.

أبوه موظف بسيط وأعمامه فلاحون بسطاء في بنى مر، ولأول مرة في عهده يرى الفلاح نفسه سيدا مالكا لأرض لم يعرف فيها هو ولا أجداده إلا المذلة والهوان ويذهب خيرها إلى أي جيب في مصر سوى جيبه.

أمكن للفلاح أن يرى ابنه طبيبا وضابطا ومهندسا ومدرسا ودبلوماسيا وقاضيا وعالما، لم يجد المصريين هذا الأمل إلا في عهد عبد الناصر، وقد يكون هناك من سبقه في المحاولة، لكن الحلم تحقق في عهده.

ربما مثل هذا كان يعتمل بصورة تناسب بساطة عقل ووعي سيدة مثل أم الرزق أمية لا تقرأ ولا تكتب وكما يقول المثل “لاتعرف الفرق بين الألف من كوز الذرة” لكنها أدركت بحس الإنسان في ناصر الذي فقدته وظلت تبكيه حتى بعد وفاته بما يزيد على عشر سنوات!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.