الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

جوهر الناصرية

0 96

كتب :د.مجدي زعبل

– الدّرس الذي نفهمه من الاحتفال بمئوية جمال عبدالناصر (يناير 2018) هو أن الأمة التي كانت تقاتل عدوا شاخصا الآن تقتتل والأمة التي كانت تقاوم، الآن تستسلم دون طلقة رصاص وكأنها لم نستوعب درس عبدالناصر عن “وحدة الوجود ووحدة المصير

– لم تكن هناك فترة ازدهار في تاريخ مصر ( السد العالي ومجمع الحديد والصلب في حلوان ومجمع الأولومنيوم في نجع حمادي) أكثر مما تحقق في الستينيات خاصة في المجال الاقتصادي بشقيه الصناعي والزراعي

المشروع الثقافي هو المشروع المكمل للنهضة الاقتصادية والتعليمية والعلمية الفنون في عهد عبدالناصر حيث كانت الفنون والإبداعات تنتشر بسرعة البرق في أجواء أمتنا العربية وتوحد بالضمير والوجدان ماعجزت عنه السياسة

– ثورة يوليو ثورة تغيير جذري في البنى الاجتماعية والثقافية وهيكل السلطة حيث حررت وعلمت وثقفت وأحاطت بالرعاية جموع المصريين الفقراء الأجراء المعدمين وملكتهم جزءاً من ثروة بلادهم

 

 

الناصرية في جوهرها العميق هي مشروع جمال عبدالناصرالثوري  في الاستقلال الوطني والقومي الشامل وبهذا المعنى والمضمون يخطئ من يحاكم التجربة الناصرية على أنها تجربة في الحكم أصابت واخطأت لها إيجابيات وسلبيات وأن جمال عبدالناصر مثله في ذلك مثل كل الرؤساء يخضع لحساب الصواب والخطأ على تجاوزات في سلطة الدولة ،وإن كان مقدرا بطبيعة الحال تفهم حدوث بعض هذه التجاوزات لكنها تبقى في هامش المجرى التحرري الثوري الذي زلزل الطبيعة الساكنة في مصر على جمودها وثالوثها من سلطة الاستعمار البريطاني المتمكن بقوة السلاح والاحتلال وطبقات غنية مترفة تتحالف معه وتهادن من اجل امتيازاتها الرخيصة والشعب الطيب العظيم الذي ينزوي في الحقول ينزف فيها عمره وعمر أولاده دون شربة ماء ليروي حياة الاقطاعيين ويشبع جوعهم إلى مزيد من الجاه والنفوذ والمال.

وأمام هذا الطاغوت المتمكن لم يكن هناك فرصة للتغيير سوى الثورة ، ونظرية الثورة صاغها جمال عبدالناصر بكلمات بسيطة لكنها كانت بالغة العمق ، حين قال إن:

  • مصر في حالة ثورة بمعنى “تفاعل المشكلتين الرئيستين المشكلة الوطنية طلبا للاستقلال والمشكلة الاجتماعية (العبودية والظلم الاجتماعي ) طلبا للعدالة الإجتماعية والمساواة “.

2- الثورة لاتقوم لأن الشعب يخشى الصدام مع الجيش الذي أمره بيد الملك. 3- إذا حررنا الجيش من قبضة الملك وتحركنا بالثورة فإن الشعب سوف ينضم لحركة الجيش ويعبر عن اشواقه وأحلامه في التغيير” وقد كان ،ومنذ تلك اللحظة المضيئة صيغت العقيدة الوطنية للجيش المصري بأنه جيش الشعب وليس جيش الحاكم وأن الجيش المصري ليس سوى “أبناء الشعب المسلحين دفاعا عنه وعن ترابه الوطني ” وأن كلاهما “الجيش والشعب “وجهان لعملة واحدة هي “الوطنية المصرية “.

ثورة يوليو إذاّ هي ثورة تغيير جذري في البنى الاجتماعية والثقافية وهيكل السلطة ،حيث حررت وعلمت وثقفت وأحاطت بالرعاية جموع المصريين الفقراء الأجراء المعدمين وملكتهم جزءاً من ثروة بلادهم “التي كانت منهوبة “وحركتهم خلف أحلامهم الكبرى فتحولوا جيلا بعد جيل – بالتعليم والثقافة – إلى عماد الطبقة الوسطى ، ولم يتوقف المد الثوري على حد مصر ولكنه امتد الى محيطه الاستراتيجي العربي في ثورات كاملة في الجزائر والعراق واليمن وانتفاضات ثورية في البحرين وجنوب الجزيرة العربية وموريتانيا والسودان ولبنان وسورية وغيرها من الأقطار العربية .هي إذاً “ثورة وطنية قومية ” ثم مالبث أن امتدت الى شعوب العالم المستضعفة في إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية فأصبحت “ثورة وطنية قومية انسانية ” وأصبحت في أقل من عقد من الزمان واحدة من كبرى الثورات العالميه بحجم الدور التحرري ومعها أصبح زعيمها واحدا من زعماء الدنيا ورمزا مضيئا للاستقلال والكرامة الوطنية ، ولعلي أقولها بيقين لا يخالطه أدنى شك أن جمال عبدالناصر هو مؤسس أول دولة للشعب في تاريخ هذا البلد منذ عهد الفراعنة حتى الآن.

جمال عبدالناصر إذاّ كان – ولا يزال – تعبيرا عن مشروع ثوري / اجتماعي / اقتصادي / ثقافي / قومي وهو مايعنينا في هذا المقال  وهو في ذات الوقت شعار مئوية جمال عبدالناصر التي نحتفل بها عام 2018 والمعنى واضح وعليه ألف دليل ودليل” فالأمة التي كانت تقاتل عدوا شاخصا الآن تقتتل والأمة التي كانت تقاوم الآن تستسلم دون طلقة رصاص (وهذه هي الهزيمة العميقة – هزيمة الإرادة ) والأمة بفضل السياسات الخاطئة والخائنة ، تمضي في مسارات الضياع ولم نستوعب درس عبدالناصر عن “وحدة الوجود ووحدة المصير ” ومن هو العدو ومن هو الصديق وثروات الأمة تستنزف من طبقات متوحشة لاترحم وقوى استعمارية لاتشبع من دماء أ-طفالنا الصغار وكأننا – بل نحن- عازمون على  الخروج من المستقبل ،ولهذا نحن نحاول أن نؤكد على ضرورة بقاء الأمة على قيد الحياة قريبة من قيد المستقبل ، لعل الأجيال الجديدة تتمكن من النهوض فيما عجزنا نحن عنه .

 

جوهر المشروع الناصري “نظرة طائر “:

1-     المشروع الاجتماعي : هو صلب المشروع الثوري لجمال عبدالناصر لأنه استهدف الإنسان /المجتمع / الناس هذه الكتلة البشرية هائلة الثراء والمعنى وقاد بها ولها الدولة فكانت دولته هي دولتهم ، لهذااستمر جمال عبدالناصر حتى الآن وكأنه حلم البسطاء وأملهم ،وأحلام البسطاء لاتموت . لقد كان تغيير النسق الاجتماعي برمته هو جوهر التغيير الثوري لأن الثورة ببساطة هي الانتماء لأوسع طبقات المجتمع وفي حالتنا هم الفلاحون والعمال والموظفون وغيرهم من الطبقات الفقيرة فلا توجد ثورة محايدة قانون الثورة هو الإزاحة والانحياز في وقت واحد ، ولعل النظر إلى مبادئ ثورة يوليو الستة سوف نجد ثلاثة منها ترتبط بهذا المفهوم (القضاء على الإقطاع – القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم – إقامة العدالة الاجتماعية ) ولقد كان مفتاح التحول الاجتماعي هو قضية إعادة توزيع الأرض الزراعية التي اضافت  روح الحياة الى ملايين المعدمين بقرار واحد وبعد اقل من شهرين على قيام الثورة .

2-     المشروع الاقتصادي: التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل مرتبط مباشرة بمفهوم التحول الاجتماعي لأن النمو والتنمية الاقتصاديه هدفها إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين وفي حالة مصر انتهج عبدالناصر مفهوم واليات التنمية المستقلة وهي ليست مجرد أرقام ميتة إنما نضال شاق وجهد إبداعي جسور ومتصل بإرادة الأمة ومشروعها الحضاري والمعنى أن التنمية المستقلة لايمكن أن تتحقق إلا كمكون حضاري ملائم للنهضة الحضارية الشاملة ،ولأن مشروع جمال عبدالناصر كما ذكرنا هو مشروع الاستقلال الوطني فإن الإستقلال الإقتصادي هو صلب الإرادة الوطنية “وسوف نرى لاحقا معركة ضارية بسبب بناء السد العالي وتأميم قناة السويس ” ،يكفي أن نقول إن استقلال القرار الوطني وتمكن الدولة الوطنية من إحكام قبضتها على مفاتيح الاقتصاد القومي مكّن مصر في خمس سنوات هي مرحلة الخطة الخمسية الأولى 1960-1965 من بناء قلاع صناعية كبرى وتنمية الريف المصري وحققت هذه الخطة نسبة نمو 6،5 % وهوأعلى معدل في حينه على مستوى العالم الثالث والدول المستقلة حديثا .”يجب ملاحظة أن التحول الاجتماعي والاقتصادي الكبير وانتزاع السلطة والنفوذ من طبقات عتية تم بدون إراقة دماء أو صراع اجتماعي كبير- كما حدث في كثير من التجارب الثورية- وهو يحسب لمشروع الثورة المصرية بكل تأكيد ” .

3-     المشروع الثقافي : هو المشروع المكمل للنهضة الاقتصادية والتعليمية والعلمية وهو لايحتاج إلى الكثير من الأدلة يكفي حجم الإصدارات الأدبية والفكرية والصحفية ويكفي عدد المفكرين والأدباء والشعراء الذين صعدوا مع الثورة من أبناء الفلاحين ومن أصلاب الفقراء ليتبوأوا قمة المجد والشهرة ويكفي دور السينما والمسرح وقصور الثقافة وعالم الغناء والموسيقى والأوبرا كل هذه الفنون التي كانت تنتشر بسرعة البرق في أجواء أمتنا العربية وتوحد بالضمير والوجدان ماعجزت عنه السياسة ولعل الشرح يطول لكن من المؤكد أن مصر في عهد عبدالناصر كانت عاصمة الثقافة والفن كما كانت عاصمة الثورة والعروبة معا .

4-     المشروع القومي :  لم يبذل جمال عبدالناصر جهدا كبيرا للتعبيرعن المضمون القومي فقد كان خطابه توكيدا لواقع الحال وهو أن الأمة العربية أمة مكتملة التكوين القومي بوحدة اللغة والتاريخ والمصير وكما تقول الدكتورة مادلين نصر في بحثها الرصين “التصور القومي العربي عند جمال عبدالناصر ” : إن جمال عبدالناصر ينادي بالأمة العربية ويعبر عنها أكثر مما يحللها في جذورها وبنيانها وعناصر ديمومتها ويؤكد أسس  وحدتها في أدلة ثلاث : أساس تاريخي لماض ومستقبل مشتركين (وحدة الوجود تساوي وحدة المصير ) – أساس لغوي ناقل لعقلية جماعية – وأساس نفسي اجتماعي ” لوجدان وأمل مشترك ” إذاً مفهوم الأمة / القومية هو تعبير ذا مضمون تاريخي ثقافي حضاري يتأكد وينصهر ويعبر عن تفوقه في ضرورة ” الوحدة ” والوحدة العربية كما صاغها جمال عبدالناصر هى محصلة القوة والنفوذ في مواجهة أعداء مؤكدين إذ سوف تبقى القومية والأمة تعبيرا عن جملة الصفات والخصائص إن لم تقترن بالقوة “الوحدة ” التي هي ضرورة وجود في مواجهة الاستعمار الصهيوني العنصري الاستيطاني الإحلالي وهو أبشع صور الاستعمار ، وإذا لم تكن اسرائيل قد زرعت في أرضنا زرعا باغتصاب فلسطين وتهدد وجودنا تهديدا لا فصال فيه ، لربما كانت الأمة / القومية مجرد اعتزاز وزهو وفخر ليس أكثر ولهذا كله فإن التلازم بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين هو تلازم مصيري استراتيجي حاسم وحاكم وأي فصل بينهما سوف يؤدي فيما يؤدي إلى انحراف مؤكد أو ضياع الأمة وتهديد وجودها ذاته والأمة العربية في حالة الوحدة فهي تنهض على مستويين :الأول مستوى البناء القومي والنهوض الحضاري الشامل ومستوى المواجهة مع العدو المؤكد والمحتمل .

 

2-     ثلاثة نماذج على التنمية المستقلة “دراسة حالة ”

                              السد العالي

ليس صحيحا أن مشروع السد العالي بدأ وانتهى بالسوفييت فالحاصل أن المشروع قد وضع تصميمه الأصلي مجموعة من الخبراء الغربيين وتقدموا بتقريرهم في ديسمبر 1954 وحين تولى الاتحاد السوفيتى عملية التمويل والإنشاء أعاد الدراسة وأدخل تعديلات مهمة، وكما يقول البرفيسور كوزمين كبير الخبراء في بناء السد العالي “بعد أن تعرفنا على المنطقة التي سيقام فيها السد ،اقتنعنا بكل وضوح بأن المشروع المقدم من الشركات الغربية يوجد به كم كبير من التفاصيل غير الضرورية والتي تستنزف مالا وجهدا ” وقد طرح التصميم السوفييتي والتعديلات المهمة التي يحملها في اجتماعات حضرها كبار الخبراء في الشرق والغرب وطوال شهر كامل لم يهدأ الجدال في وزارة الاشغال واللجنة العليا للسد وفي النهاية اعترف الخبراء الغربيون بأفضلية المشروع السوفييتي وكان من بين هؤلاء الخبراء ك.ترازكي ، وشتراوب ،وا.ستيل (من الولايات المتحدة ) –م. بروس (من المانيا ) –ا.كوين وي ،ابشي (فرنسا ) وقال الخبراء الغربيين في تقريرهم انه اذا كان الاقتراح السوفييتي بسد الحاجز الحجري بالرمال على عمق 25 مترا تحت الماء ناجحا فسيكون ذلك إسهاما جديدا في تبسيط وتقصير مدة بناء سدود كبيرة كهذا السد ..بعد هذه الشهادة وبعد ان تم الاتفاق بين الجميع ،صادق الرئيس جمال عبدالناصر على المشروع النهائي فى 29 يونيو 1959 وبدأ العمل (التعديلان الأساسيان للخبراء السوفييت :تعديل خاص بالأنفاق ، والثاني خاص بالمحطة الكهربائية ،فقد صممت الشركات الغربية مشروع الأنفاق لتصريف المياه ويبلغ طول الأنفاق 15 كيلومتر ، بينما اقترح السوفييت بناء قناة مكشوفة لتصريف المياه لايزيد طولها على كيلومترين ، مع ستة انفاق في منطقة محدودة توضع فيها البوابات لتنظيم المياه – كذلك كان المشروع الغربي قد قرر إنشاء محطة كهربائية طاقتها حوالي 2 مليون كيلووات / ساعة على الضفة الغربية لنهر النيل بينما اقترح السوفييت بناء محطة طاقتها 2،1 مليون كيلووات / ساعة على الضفة الشرقية على قناة التحويل المكشوفة ) ، لكن السؤال المهم هو ماذا عن التكلفة ؟ كان المشروع الغربي يتكلف 1300مليون دولار في مقابل 1165 مليون للمشروع السوفييتي وبصرف النظر عن تفاصيل المزايا والعيوب فإن اخطر ماتعرض له المشروع هو الشروط التي وضعها البنك الدولي لتمويل السد الذي ربط التمويل باستمرار الحكومتين الأمريكية والبريطانية في الإسهام ولكن الحكومتين رفضتا الإلتزام لأسباب سياسية واقترحوا أن تحدد الالتزامات سنة بسنة (والمعنى استمرار  التمويل مرتبط بقبول مصر سياسات محددة وإخضاعها مع الوقت للإرادة الأمريكية / البريطانية ) وهو مارفضه جمال عبدالناصر وقال حينها إن هذا الوضع يشبه “المصيدة” فبعد أن نكون قد أنفقنا 300 مليون دولار ونبدأ في بناء السد يمكن أن يتوقف كل شئ ” . إن ملحمة السد العالي كانت طويلة ومجيدة وكانت في جوهرها خطوة جبارة في استكمال مشروع الاستقلال الوطني بعد تأميم قناة السويس فالدول لاتتقدم بشروط الغير ولاتنهض في البناء والتنمية وإرادتها مرهونة لأحد أو مرغمة من أحد، هذا درس التاريخ لكل أمة نهضت وبنت مشروعها الوطني وتحررت من غصب الغير واستنزافه لمقدرات وثروات الشعوب .وفي كل الأحوال فإن مشروع السد العالي كان إنجازا هندسيا ومائيا هو الأعظم في القرن العشرين على مستوى العالم ولاننسى الأفراح الهستيرية للفلاحين والعمال والشعب المصري كله عند افتتاح السد في مايو 1964 .

مجمع الحديد والصلب:  “سد حلوان العالي ”  ⃰ (التعبير للمفكر المصري المرموق الراحل عادل حسين ):

إن تكاليف التوسع في صناعة الحديد والصلب (لإنتاج 2.5 مليون طن ) كان مقدرا ب 207 ملايين جنيه وهذا التوسع كان يستلزم بالضرورة إنشاء العديد من المرافق والمشروعات التكميلية مما زاد  التكاليف الى 331 مليون دولار وللمقارنة فإن تكاليف إنشاء السد العالي وقناة التحويل ومبنى المحطة والتوربينات والخطوط الكهربائية والهياكل الإرتكازية لم تتجاوز 249 مليون جنيه وهذا يعني أن تكلفة بناء مجمع الحديد والصلب تقترب من  تكاليف بناء السد العالي ..نعم ..وهل كان مطلوبا وقتها ضخ هذه الاستثمارات الضخمة في مشروع واحد ؟ والإجابة نعم وسوف نسوق الأدلة في نهاية الفقرة .

تولى الاتحاد السوفييتي مسئولية التوريد والإنشاء والتمويل وكما أرسل السوفييت أعظم خبرائهم في إنشاء السدود أثناء ملحمة السد العالي ، أرسلوا أيضا قمة خبرائهم في مجال الحديد والصلب وعلى رأسهم “سيتسكو ” وكان رئيسا لمؤسسة إنشاء الصناعات في وزارة الصناعة الثقيلة في الاتحاد السوفييتي وتم توقيع العقد7700 في سبتمبر 1964وكانت قيمة التعاقد 165 مليون دولار وكان هذا السعر اقل كثيرا من مثيله من أي شركة غربية وكانت الشركات الغربية تشترط دفع 25% من قيمة العقد مقدما ويقسط الباقي على دفعات بفائدة 6 % سنويا في حين كان القرض السوفييتي يسدد بعد بدء الإنتاج على 12 سنة وبفائدة 2.5 %  وفي تصميم المجمع اعتمدت أحدث الطرق التكنولوجية، فالتجهيزات الإلكترونية تستخدم على نطاق واسع وكذلك دوائر التحكم الأتوماتيكي في مختلف مراحل الإنتاج واستخدمت أجهزة قياس ذات اشعاع نووي والفرنان العاليان يعملان إليكترونيا ويتم شحنهما بخام ملبد بنسبة 100% مما يزيد الإنتاجية بنسبة 15% وبذلك يعطي الفرن الجديد إنتاجا يعادل خمسة أضعاف إنتاج الفرن العالي القديم ( الذي اقامته شركة ديماج الالمانية ) رغم أن حجم الفرن الجديد أقل من نصف حجم الفرن القديم .أما عن أهمية الاستثمارات الضخمة في صناعة الحديد والصلب تكفينا شهادة  أحد خبراء الصناعة الذين عاصروا وشاركوا  في بناء القطاع العام الصناعي وهو المهندس علي مرسي رئيس شركة الحديد والصلب في الستينيات يقول ” احتجنا أثناء حرب الاستنزاف إلى 100 ألف طن حديد تسليح لبناء قواعد الصواريخ وكانت السرعة في الحصول على هذا الطلب مسألة حياة أو موت وفي نفس الوقت كان اللجوء إلى الاستيراد غير مضمون فضلا عن ضرورة توفير حجم كبير من النقد الأجنبي وهو في حد ذاته أمر صعب فإن الإلحاح على سرعة التوريد سيرفع السعر وبعد كل ذلك ربما لايتحقق وصول الحديد بالكمية المطلوبة في الوقت المحدد ولكن بفضل وجود شركة الحديد والصلب المصرية فقد صدر الأمر لتوفير الكمية والعمل ليل نهار لتلبية احياجات الأمن القومي  وهو ماحدث بالفعل بل لقد كان مقدرا أن تسلم الكمية خلال 120 يوماً فسلمت بعد 40 يوماً فقط ” وكما يقول علي مرسي ” لو أن قيام صناعة الحديد والصلب في مصر لم تحقق غير هذا العمل لكان كافيا لتبرير الإستثمار الكبير في هذه الصناعة ونفس الأمر يقال عن السد العالي فقد تعرضت مصر عام 1972 الى انخفاض بالغ في منسوب النهر ولولا مخزون المياه أمام السد العالي لواجهنا كارثة اقتصادية / اجتماعية رهيبة .

مجمع الألومنيوم

تعتبر الكهرباء من أهم مدخلات صناعة الألومنيوم ولهذا فمشروع مجمع الألومنيوم يعتبر من النواتج المهمة للسد العالي ، وقعت هيئة التصنيع المصرية العقد مع مؤسسة تزفت ميتي بروم اكسبورت السوفييتية والعقد يعتبر مثاليا لصالح الجانب المصري فقد تعهد الاتحاد السوفييتي أن يقيم مجمعا ضخما طاقته الإنتاجية في بداية التشغيل 100ألف طن وهو رقم يماثل ضعفي ونصف حجم العرض البولندي ويماثل 5 أضعاف العرض الكندي والفرنسى ،،وتزداد في نهاية 1975 الى 150ألف طن ، وهذه الطاقة الانتاجية تضع مصر في أعلى المستويات العالمية ،أما بالنسبة للأسعار فقد تحدد ثمن هذه المعدات ب 25 مليون جنيه ويتم سداد الاقساط بتصدير 10 الآف طن ألومنيوم ،كما يلتزم الاتحاد السوفييتي بشراء 40 ألف طن بالسعر العالمي إذا وجد الجانب المصري صعوبة في تصريفها .

من جملة ما سبق نحتاج إلى بلورة حجم القروض التي حصلت عليها مصر من الاتحاد السوفييتي وفيما انفقت وبيانها كالتالي :حجم القروض في الفترة من 1961-1965 كانت 136 مليون جنيه (340 مليون دولار ) خصص منها 47% للمشروعات الصناعية ، و50،7 % لمشروعات الطاقة والسد العالي وخصص للقطاعات الأخرى 1،5 % ، وفي الفترة من 1966- 1970 كان حجم القروض 178 مليون جنيه (445 مليون دولار ) خصص منها 48،3 % لمشروعات الصناعة و 41% لمشروعات الطاقة والسد العالي و 10،7 % لباقي القطاعات  / وبشكل عام نجد ان 96،5 % من القروض السوفييتية (إذا استبعدنا السد العالي ) موجها إلى الصناعة الثقيلة والطاقة الكهربائية وبهذه المعايير الوطنية لم تكن هناك فترة ازدهار في تاريخ مصر اكثر مما تحقق في الستينيات خاصة في المجال الاقتصادي بشقيه الصناعي والزراعي وما ارتبط بهما من حراك اجتماعي هو الاعمق والاوسع في تاريخ مصر على إطلاقه .

 

(المصادر :

1-     تيودروفيتش، الاتحاد السوفييتي وجمهورية مصر العربية – التعاون الاقتصادي المثمر، القاهرة دار نشر وكالة نوفوستي للأنباء –مطابع الاعلانات الشرقية 1973 )

2-     عادل حسين ،الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية  1974- 1979 – دار المستقبل العربي – القاهرة 1982 .

3-     سعد الدين ابراهيم –المشروع الاجتماعي لثورة يوليو- في مصر والعروبة وثورة يوليو- دار المستقبل العربي ص121 – 1983.

4-     مادلين نصر التصور القومي العربي عند جمال عبدالناصر – في مصر والعروبة وثورة يوليو- دار المستقبل العربي ص 53 – 1983

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.