الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

«دفعة 103 حربية» أكثر من مجرد كتاب

0 93

«للتاريخ يا رأفت».. جملة ساحرة وجهها العظيم نبيل الحلفاوي، للساحر محمود عبد العزيز، بأحد مشاهد مسلسل «رأفت الهجان»، طالبًا منه سرد ما حدث خلال رحلته الملهمة لتظل نبراسًا يضيئ للأجيال القادمة، لم أشعر بحلاوتها ولم ألتمس عظمتها، على كثرة مشاهدتها على اعتبار أنها مشهد تمثيلي فقط، إلا أنها قذفت إلى عقلي فورًا أثناء مطالعتي لكتاب «دفعة 103 حربية» لمؤلفه الدكتور إبراهيم شلبي، الصادر عن «دار سما للنشر والتوزيع» في بدايات عام 2016، واضعًا أمام القراء والباحثين والمهتمين بالتاريخ وجبات دسمة ممتعة ومؤلمة فى آن، تحمل من الشموخ والعظمة والكبرياء والثقة والإيمان والتضحية والإخلاص الكثير، دفعة هائلة من الأمل، بقدر ما تحمل سطوره من الألم.

سلك إبراهيم شلبي طبيب جراحة الأورام، مسلك يوسف السباعي ومصطفى محمود، وترك الطب متجهًا إلى الأدب، مفتتحًا كتاباته بـ”سلسلة” من ذاكرة أرض ونهر في أربعة أجزاء والخامس تحت الطبع باسماء عزيزة ، نغم ، سوريش وراكشندة، جميلة، راميرو ، عن حضارات العالم عن دار البلسم للنشر، فضلا رسالة إلى الله من مسلم فى عهد الاسلام السياسي: “دار كتابات”، ورسالة من مسيحي في عهد الإسلام السياسي عن نفس الدار، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المؤلفات الأخرى أهمها: يوميات إمراة انتصرت على السرطان، السيسي وكليلة ودمنة، عزيزة، في بهو الكرنك.. محاكمة رئيس، الخروج من الفقاعة، برشامة الرئيس، وأخيرًا ملحمة 100 شهيد وشهيد”، الصادر عن دار سما.

سرد “شلبي”، حقائق وخبايا وأسرار مذهلة، في عاطفة جياشة عن 12 بطل من أبطال القوات المسلحة، منغمسًا في تفاصيلهم الحياتية، على الصعيدين العملي والأسري، مؤكدًا أن هذه الرواية كُتبت بدم القلب ودمع العين، لما تحويه من سرد لأحداث واقعية مرت بها مجموعة من زهرة شباب مصر، ارتووا من نيلها الكريم ونشأوا على أرضها الطيبة، وأحبوها وعشقوا أهلها لدرجة أنهم بذلوا أرواحهم فداءً لها ورووا بدمائهم ترابها، قسمهم إلى 13 فصل خلال كتابه، متحدثًا بلسان لاهث تغلب على عجزه في الوصف الدامي، معلنًا تحديه لأزمتنا الدائمة المتمثلة في نقص المعلومة وندرتها، مواصلًا البحث والتنقيب، حتى يخرج في النهاية تلك الوثيقة التاريخية العظيمة.

وزع كتاب «دفعة 103 حربية» أكثر من 18 ألف نسخة، ومن المنتظر إعادة طباعته مرة أخرى بعد نفاده تمامًا، فضلا عن توزيعه على طلبة جميع الكليات العسكرية، ليظل شاهدًا وموثقًا لقصة أبطال “دفعة 103 حربية”، دفعة الشهداء التي قدمت 27 شهيدًا في حرب مصر ضد الإرهاب، والتي تخرج ضباطها في مصنع الرجال، الكلية الحربية عام 2009، أكبرهم في السادسة والعشرين من العمر، تخرجوا وكل منهم يحمل لقب مشروع شهيد، كانت الشهادة أملهم وغايتهم، لم يخافوا أو يقلقوا على من تركوه وراءهم، كانوا يتنافسون على الذهاب إلى سيناء لحماية الوطن ولأخذ ثأر زملائهم، وراء كل منهم قصة وأسرة وآمال وأحلام، تركوا مهمات لم تتم، طفلًا يحبو جنينًا لم يكتمل، بيتًا لم يتم بناؤه، بدلة زفاف لم تُرتدَ، تركوا على صغر سنهم مُثلاً عليا ومواقف شجاعة وحبًّا أصيلاً لمصر، الوطن الذي رسموا وجهه على قلوبهم، نخيلاً ونيلاً وشعبًا أصيلًا.
يبدأ الكتاب بـ”رقم 1” الشهيد محمد جمال الأكشر، ابن قرية مشتهر قرية طوخ قليوبية، مقدمًا سيرة ذاتية للبطل، ناقلًا وصيته: “حين أتوفى لاتتركونى ولاتبكوا عليّ.. تعلمون إنى لا أحب الوحدة والظلام، تحدثوا معى بالدعاء واجعلوا قبرى نورًا فربما رحيلى قريباً.. وصية ليست مجرد رسالة”، مستكملًا الحديث عن قريته وجنازته ورفضه لإقامة سرادق عزاء، متنقلًا عبر صفحات التواصل الإجتماعي الخاصة بأقارب البطل الشهيد وأصدقائه.

خصص “شلبي” الفصل الثاني المعنون بـ”أنا” في كتابه، لشخصية الراوي، مفضلا البداية الدرامية التراجيدية، مؤجلًا شخصية النقيب حسام شرف الدين ومن يدور حوله من شخصيات، للفصل الثاني وليس في البداية كالمعتاد فى مثل تلك الكتابات، مؤكدًا أنه باستثناء ذلك الراوي الوهمي، فكل ما جاء في هذه الرواية من أحداث وأماكن وشخصيات وتعليقات وأسماء حقيقي، جاعلا منه بطلا لروايته متنقلا من خلاله عبر المكان والزمان، وكأنه شخص حي يحادثك وتحدثه، منطلقًا في الحديث والسرد والسفر والترحال، واصفًا على لسانه أحوال دفعته وزملائه وقادته البواسل، ولعله نقطة الإنطلاق الحقيقية لكل الأحداث والفصول التالية.

فى كل فصول “دفعة 103 حربية”، يقدم إبراهيم شلبي رؤية متميزة من الكتابة التاريخية في صورة سرد مبسط مبني على حقائق، عيبه الوحيد الإنغماس في التفاصيل المرهقة لأحاسيس القارئ المرهف، مزيج من المرارة والوجع، والألم والأمل، دافع واقعي وموضوعي لكراهية ونبذ الإرهاب الغاشم الذي يحصد أبنائنا في سيناء، ولعل القاسم المشترك الأعظم لكل الأبطال هو حبهم للشهادة وإصرارهم على الموت كإقبالهم على الحياة، حبهم لوطنهم ودفاعهم عنه، تسابقهم المحموم على الشهادة في سبيل الله، فضلا عن رسائلهم الموجهة لأمهاتهم، وكأنها منقولة بالكربون من شهيد لآخر، كما ورد فى الفصل الثالث في رسالة البطل الشهيد أحمد فؤاد حسن، “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا أمي.. عاملة إيه ؟ لو قدّر ليكي تشوفي رسالتي.. ده معناه إنى استشهدت وإن أصحابي لقوها في جيب الأفرول بتاعي”.

أما الفصل الرابع الذي حمل إسم الشهيد “محمد إمام مصطفى”، فقام الكاتب بتغيير استراتيجيته التي بدأها منذ بداية الكتاب دون الخروج عن الخط المرسوم للرواية، بوصفه الحياة الأخرة للشهيد، وإقامته في الفردوس الأعلى، ساردًا روعة ومهابة لقاء الله، في مشهد تخيلي بديع، من خلال رؤية منامية رآها البطل، المقصود منها الحافز الذي لا أظن افتقاده لدى هؤلاء الأبطال، الذين تتزين أسمائهم بجملة “مشروع شهيد” متسابقين مسارعين مهرولين لنيل الشهادة وأخذ الثأر.

ومن بداية الفصل الخامس الخاص بالشهيد “محمد زكريا أبو غزالة”، حتى العاشر الذي حوى قصة الشهيد محمود طه إبراهيم، وبينهما بالترتيب «الشهداء»، أحمد عبد السلام سلامة، محمود رمزي فتح الله، محمد عادل رزق، أحمد محمد أبو العطا، وأخيرًا محمود طه إبراهيم، يعود “شلبي” للكتابة الإنسانية البحتة، مفتشًا فى حكايات التراجيديا المؤثرة فى العاطفة والوجدان، حاملا لكل بطل قصة واقعية، سواء قبل أو بعد الشهادة، على الصعيد العائلي والأسري.

إلى أن يصل إلى الفصل الحادي عشر، للشهيد البطل مصطفى حجاجي، محور الكتاب وبطل الرواية، مخصصًا له الجزء الأكبر من الكتاب، ساردًا بدقة العارف المقيم المقرب، مدى شجاعة ذلك البطل الفذ، كأول دفعته بمصنع الرجال «كما يطلق على الكلية الحربية»، وإصراره على الإنتقال إلى كرم القواديس، لأخذ ثأر ابن بلدته الضابط الذي أستشهد قبله بأيام في سيناء، متحدثًا عن بيته وأشقائه، ملقيًا الضوء على أمه العظيمة الصابرة المحتسبة، منوهًا بأنها أصرت على دخول إبنها الأصغر الكلية الحربية بعد استشهاد شقيقه، وبالفعل حدث ما أرادت والتحق “إسلام حجاجي” بالكلية، مستعرضًا خلال هذا الفصل مجموعة دسمة من الروائع والبطولات والألام والشجن والإيمان، وكأنه يجهز لعمل سينمائي ضخم، أو مبحث هام لكل من يريد القراءة أو الإطلاع.
ثم ينتقل إلى الفصل الثاني عشر، لصاحبه البطل الشهيد محمد مجدي رجب، متخذًا زاوية أخرى لا تخلو من الشجن والحزن، مستعرضًا آلام المصريين وأحزانهم بعد كل عملية غادرة تغتال زهور يانعة، وتحصد أرواح شباب في مقتبل أعمارهم، ليس ذنبهم إلا الدفاع عن وطنهم.
وينهى الدكتور «إبراهيم شلبي» وثيقته التاريخية المؤلمة والملهمة، التي تعد مرجع هام لا غنى عنه لجميع الباحثين والمهتمين بحكايات أبطالنا البواسل، بالعودة إلى البداية بشبه دائرية في الفصل الثالث عشر، لبطله الراوي بعنوان “سيد شهداء الدفعة” البطل النقيب حسام شرف الدين، ابن محافظة الإسكندرية، كاشفًا ومبينًا وموضحًا بلسان زوجته، كيف تمت عمليات الغدر والخيانة على أيدي الإرهابيين، مخلفًا كنزًا من البطولات الحية المستمرة لأبد الدهر.

وقال “شلبي” في تصريحات خاصة لـ«الهلال»، إن هذا الكتاب الصغير كان له بالغ الأثر في تغيير حياتي بمعرفة هؤلاء الأبطال وأهالي الشهداء الكرام، سألني أحد الأصدقاء ماهو أقرب كتبك إلى قلبك، كانت إجابتي بالطبع هي “دفعة 103 حربية”، فقد تحول إلى أيقونة في قلوب الكثيرين، ولا تتخيلوا قدر سعادتي عندما كنت أرى صورة الكتاب في يد أحد أبطال الدفعة أو أهالي الشهداء وقد حمله فخوراً به وبقصص من حواه من أبطال، أو عندما رأيت صور شهداء الدفعة وقد زينت حائط المدخل الرئيسي لمستشفى 57357، وصورة الكتاب وهو في حضن السترة العسكرية لأحد الضباط. وأخيراً عندما تشرفت بسببه أن أطلق عليّ أبطال الدفعة لقب الأخ الأكبر لدفعة 103 حربية وأصبح الكثيرون منهم فعلاً بمثابة أشقائي الصغار، وهؤلاء الأشقاء الصغار منحوني الثقة واليقين بأن مصر بخير وستبقى بخير وفي رباط إلى يوم الدين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.