الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

شادية…. والقصة المجهولة

لم تكن شادية تنافس كتابات الأدباء المحترفين ولكنها كتبت قصص ونصوص توحى بالجو السينمائى الذى كان يحيط بها فى ذلك الوقت

0 119

كتب : شعبان يوسف

عندما بدأت الفنانة شادية عملها فى المجال الفنى كمطربة فى النصف الثانى من عقد الأربعينات، كان المناخ مزدحما بالفنانين والفنانات، ليلى مراد وأم كلثوم وكارم محمود ومحمد عبد المطلب وغيرهم من النجوم الذين أثروا حياتنا بشكل مذهل فى تلك المرحلة المحورية فى تاريخ مصر، لأن عقد الأربعينات يعتبر من العقود الثرية فى الثقافة والفن والفكر فى مصر،

وقد حدثت فيه جملة من الأحداث الكبرى، فضلا عن أن فن السينما كان قد ترسخ بشكل عميق، وعندما جاءت شادية بكل دلالها وطاقتها المصرية اللافتة والجبارة، انتبه لها صنّاع السينما، وسرعان ما أصبحت نجمة فى وقت قياسى، وتزاحمت عليها الأفلام، للدرجة التى دفعت شاعرا مثل صالح جودت ليكتب مقالا عنها عام 1950، ويحذرها من الإكثار فى الظهور السينمائى، رغم موهبتها وحضورها الطاغى.
ولم يكن تحذير صالح جودت إلا انبهارا بتلك الفتاة التى لم تتجاوز العشرين من عمرها، والتى كان يرعى موهبتها ويوجهها والدها المهندس الزراعى، وكان هذا الوالد يحضر جميع الاتفاقات التى تعقد مع الفنانة الشابة، وابنته النجمة الجديدة فى عالم الفن.
وفى تلك الآونة، أى أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، ظهرت موهبة أخرى للفنانة الشابة، وهى موهبة الكتابة الأدبية، تلك الموهبة التى وجدت طريقها إلى الإبداع، ثم إلى النشر، ففى بضعة أعوام قليلة، كانت المجلات الفنية والأدبية تنشر لشادية بضعة نصوص وبورتريهات ورسائل ومقالات قصيرة حول الفن، ومن اللافت أن القصص لم تكن تنافس كتابات الأدباء المحترفين، مثل سعد مكاوى ومحمود البدوى وغيرهم، ولكنها قصص ونصوص توحى بالجو السينمائى الذى كان يحيط بشادية فى ذلك الوقت، وأرجو أن يتيح الله لنا والزمن أن نجمع تلك النصوص وننشرها فى كتاب، لكى يتعرف جمهور الفنانة الكبيرة على وجه آخر من وجوهها الأخرى.
شعبان يوسف
&&&&&
عسكر وحرامية
للنجمة السينمائية
شادية
“هو” واحد من أفراد عصابة كبيرة، يختاره رئيس العصابة ليتجسس على حركات البوليس حتى تأمن العصابة شرّه وتواصل عملها مطمئنة.
وينضم “هو” إلى البوليس بعد أن ينتحل لنفسه اسما غير اسمه، ويتمكن بمهارته وذكائه ودرايته بالشؤون البوليسية من اكتساب ثقة رؤسائه فى البوليس سريعا، فينال بعض الترقيات ولا يلبث أن يصير صديقا لعدد من رجال الأمن.
كل هذا وهو يؤدى رسالته الحقيقية بأمانة وإخلاص، فيبلغ عصابته ما يصل إليه من معلومات أولا بأول .. فيستغلونها فى عملهم، ويحذرهم فى الوقت المناسب فيدبرون سبيل نجاتهم وإفلاتهم من القانون.
كان من أصدقائه فى البوليس اليوزباشى “وحيد”، وكانا إذا انتهينا من إحدى العمليات البوليسية وحصلا على ساعة فراغ قضياها معا.
وفى مرة دخلا إحدى المكتبات فاشترى “وحيد” قلما، وكان لا بد طبعا أن يجربه قبل أن يدفع ثمنه.. وأراد أن يجامل صديقه فقال له وهو يناوله القلم والكراسة التى قدمها له البائع ليجربه فيها : “اكتب به كلمة وقل لى رأيك فيه”.
وكتب صاحبنا دون تفكير كلمة ما، لكنه لم يكد يدرك ماذا كتب حتى كانت يده تنقض على الورقة فتنتزعها من الكراسة وتمزقها، ولم تفت هذه الحركة البوليسى اليقظ “وحيد” ، فنظر إلى وجه صديقه فإذا هو ممتقع وإذا نظراته مضطربة.
وانصرفا من المكتبة، وكان الأمر كله جديرا بأن ينساه “وحيد” بعد ذلك، لولا الشك الذى كان قد بدأ يغزو نفسه ونفوس بعض زملائه منذ اليوم الذى انضم فيه اللص إليهم، الشك فى أن يكون بينهم من يتواطأ مع تلك العصابة الخطرة ويطلعها على تدابير البوليس وييسر لها الإفلات كلما؟؟؟ ضيّق أمر صديقه سهلة، فليس عليه إلا أن يدبر هجوما ما على العصابة لا يعلم بأمره سواهما، صاحبه الذى يرتاب فيه وهو، فإذا أفلتت العصابة هذه المرأة أيضا_وهو سيرتب هجومه على ألا يمكنّها من الإفلات_ فعندما سيتأكد أن صديقه قد أبلغها الأمر.
وسارت الحال وفقا لما دبره..ويتسلل الإثنان إلى مكمن اللصوص، ويرى “وحيد” اللصوص متجمعين حول النار، إذ كان الوقت شتاء ، أى أنهم لم يعلموا بهجومه ولم يهربوا ، فيبدأ شكه فى صديقه يزاوله، وصديقه يقول له: ” لقد أحرجتنى بهذه الخطةالماكرة.. فإنه لم يغب عنى أنك ارتبت فىّ منذ اليوم الذى كنا معا فى المكتبة ، فلما دبرت هذا الهجوم الذى لا يعلم به سوانا ، جعلتنى بين نارين.. إما أن أنذر عصابتى فتفلت وهنا تقبض أنت علىّ .. وإما أن أتركها فى قبضتك لأبرّئ نفسى، ولكن لا أضمن هنا أن يفشى رفاقى سرى ويثبتوا للبوليس أنى منهم…وقد قررت أن أعود إلى قواعدى سالما بعد أن افتضح أمرى فأنحاز إلى العصابة، ولكننا لن نتركك حتى نضمن خلاصك، سنصحبك معنا فى هربنا وأنت معصوب العينين، ثم نسقطك فى مكان ما بالطريق .. بعد إذنك ياصديقى..
وأقبل أفراد العصابة عند ذلك وأحاطوا بالرجلين ، فقهقهوا لما سمعوا الكلمات الاخيرة ، ثم تقدموا وأوثقوا “وحيد” وعصبوا عينيه.
يقى أن تعرف الكلمة التى كتبها اللص دون وعى حين ناوله “وحيد” فى المكتبة .. إنها كلمة “غرباوى” وهو اسم اللص الحقيقى وليس الاسم الذى تسمى به عند انضمامه إلى البوليس ، ولعلك لاحظت أيها القارئ العزيز أن أول كلمة تكتبها فى الغالب ودون تفكير ، حين تمسك بقلم جديد ، هى اسمك.
لكن “غرباوى” لم ينج هو وعصابته، كما قدّر، فإن “وحيد” كان قد ترك إشارة لرئيسه قبل أن يغادر مكتبه ذكر فيها عنوان المكان الذى اتجه إليه طالبا اللحاق به فى قوة من الجنود، وكانت غريزته البوليسية قد ألهمته أن يحتاط هذا الاحتياط فى اللحظة الأخيرة ، فداهم الجنود العصابة وهى تهم بالفرار ، فقبضوا عليها وأنقذوا زميلهم.
&&&&
ملاحظة من محرر المجلة: تقول شادية بأنها أضافت الجزء الأخير إلى القصة بعد كتابتها بمدة طويلة وذلك لأنها تذكرت أن الرقابة قد لا تسمح بنشر قصتها أو عمل سيناريو منها إذا لم تتغلب فى نهايتها “الشرطة” على “اللصوص” ، وبمعنى آخر “الخير” على “الشر”.
مجلة الكواكب_العدد 40_6 مايو 1952

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.