الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

عبد الناصر..أنت رمز لشعوب أفريقيا الحرة

0 109

كتب :د.السيد فليفل

مشكلة السطور التي تلي هذا العنوان أنني أستطيع أن استرسل فيه إلى الأبد، فما أحب إلى القلب من النظر إلى مرحلة من تاريخ الوطن كان فيها فاعلا وكان الرئيس فيها رجلا. والسؤال الآن هو كيف السبيل إلى الاختصار. إن التاريخ علم مجيد وواحد من أنفع العلوم التي تعين الأمم على التعاطي مع الحياة ومستجداتها، فهو الذاكرة التي لا يعيش الناس فيها بل يستلهمون منها المسار إلى المستقبل، وهو أشبه شيء بمرآة السائق التي تكشف له القادمين من الخلف لا ليرجع القهقرى بل لينطلق إلى الأمام، وكان العرب بصفة خاصة من أمهر الشعوب في إدراك قيمة هذا العلم وتوظيفه. والتاريخ ينصف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إنصافًا تامًا في الماضي والحاضر.

كانت مصر قبل الثورة مملكة تدعي السيادة على السودان، بينما كانت هي والسودان محتلان بقرابة المائة ألف جندي بريطاني، وكانت نهبا لقوى الحلفاء الذين أقاموا على أرضها خلال الحرب العالمية الثانية ودفعت ثمنا فادحا في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل على حد قول إمام الأزهر وقتئذ الشيخ مصطفى المراغي، وسرعان ما اضطر عبد الناصر إلى أن يأخذ القرارات بعدما عجز محمد نجيب عن القيام بهذا الدور، وهنا طرح ناصر بسرعة فائقة مجموعة من الأفكار حول مصر وصلتها بكل من العروبة والإسلام وأفريقيا عبر ما سماه “الدوائر الثلاث للحركة المصرية” في السياسة الخارجية. على أن القائد الشاب- وبعد عامين فقط مما سجله عن ذلك في كتاب فلسفة الثورة- سرعان ما أضاف بعدا جديداً هو تضامن الشعوب الأفروآسيوية وحركة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز وهو ما جعل مصر بؤرة لدوائر حركة متقاطعة في العالم العربي وفي أفريقيا وفي الدول الإسلامية وفي آسيا، بل لقد اجتمع ما اصطلح عليه بعد ذلك بالعالم الثالث على قيادة الرجل لحركة دولية تقف شامخة بين قوتين عظميين متنافستين هما الولايات المتحدة ومن وراءها الدول الغربية، والاتحاد السوفييتي ومن وراءها الدول الاشتراكية. وفي عمر الخامسة والثلاثين كان الرجل رمزا لهذا العالم الثالث، وفي الأربعين كان من الوسطاء الذين يصونون العالم من الاحتمال النووي خلال الأزمة الكوبية الخاصة بالصواريخ السوفييتية الموجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد حاول بعض الحاقدين على الرجل تحميله مسئولية تفكيك دولة وادي النيل، أي وحدة مصر والسودان، وذلك رغم أن المسئول المباشر عن هذا الملف كان محمد نجيب والسيد صلاح سالم وعدد من المعاونين، وأن عبد الناصر لم يتدخل فيه إلا في المراحل الأخيرة وحاول بكل السبل استبقاء وحدة السودان مع مصر، لكن الحقيقة الكبرى كانت أن حكومات ما قبل الثورة لم تراع السودان ولم تدخله في إطار حركتها ضد الاستعمار البريطاني، ولما تشكل الوفد المصري في غضون ثورة 1919 لم يضم إليه سودانيا واحدا، ولما قامت ثورة 1924 في السودان لم يجرؤ الساسة على مطالبة الجيش المصري هناك بدعم أشقائه، ثم إنهم كانوا يراقبون حركة مؤتمر الخريجين ونشأة الأحزاب السياسية في السودان والمطالبة بالاستقلال ولم ينخرطوا بها ولم يتفاعلوا معها كأنها لم تكن شيئا يستحق الاهتمام. ثم أقدم للقارئ مفاجأة أن وزير خارجية الوفد الدكتور محمد صلاح الدين كان قد أدلى بتصريح مفاده أن مصر تقدر رغبة السودانيين في الحكم الذاتي، وأنها يمكن أن تتفهم الفصل بين مساري الجلاء والسودان، ما يعني أنه توصل إلى قناعة تقوم على الاعتراف بالحركة الوطنية السودانية وبحق السودانيين في تقرير مصيرهم. ولم يقدم أو يؤخر قول زعيم الوفد مصطفى النحاس أن الدكتور محمد صلاح الدين إنما يعبر عن رأيه الشخصي وليس عن رأي حزب الوفد فالنتيجة كانت واحدة، إذ مضى السودانيون في الطريق إلى نهايته.

وعلى الرغم من نجاح ثورة 23 يوليو في توحيد الأحزاب الاتحادية المطالبة بخروج بريطانيا وبقاء الارتباط بمصر، وعلى الرغم من نجاح هذه الأحزاب في انتخابات الحكم الذاتي سنة 1953، إلا أن الواقع أن الاستقلاليين أنفسهم لم يجدوا صعوبة في جذب الاتحاديين إليهم ويمم الجانبان شطر لندن وواشنطن اللتان وعدتاهم بنيل جنوب السودان مقابل القطيعة مع مصر. ولهذا أقول بأن من يقولون بأن عبد الناصر ضيع السودان فإنه يضيع الحقيقة التاريخية ويفتئت على الرجل الذي وصفه أحد المقربين إليه وقت اختيار السودانيين طريق الاستقلال بأنه مضى إلى منزله مغموما وأنه لم يخرج منه إلا بعد ثلاثة أيام عاده فيها الطبيب وأنه لما زاره في بيته وجده معصوب الرأس كئيبا.

ويشكل السودان نقطة بارزة في تكوين مخيال شعبي للرئيس عبد الناصر، فالرجل الذي اتهم بأنه قطع السودان عن مصر قوبل وهو مهزوم في الخرطوم استقبال الفاتحين وعطلت سيارة الملك فيصل أكثر من نصف ساعة حتى رأى بعيني رأسه -قبل أن يحضر مؤتمر الخرطوم في عام 1967- سيارة عبد الناصر تأتي محمولة على الأعناق، فماذا يريد الشانئون أن يتعلموا بعد هذا والرجل نفسه في سوريا حُمل على الأعناق وله ذات الشعبية في الجزائر وفي المغرب وفي الجنوب العربي وفي فلسطين وفي العراق؟ فليس لشانئ بعد ذلك إلا أن يقال له “وقد خاب من حمل ظلما”. وفي قلب أفريقيا، وبالقرب من الغابة أو الجبل أو منابع النيل، وفي الأكواخ البسيطة الفقيرة كنت تجد في كينيا صورة جوموكينياتا وصورة جمال عبد الناصر. إحداهما إلى جوار الأخرى لا يزيد الأفريقي إلا تمسكا بهما رغم توالي الرؤساء هنا وهناك.

لقد جسد الرجل حركة التحرر الوطني القومي والعربي والأفريقي والإنساني، وبالتالي جعل مصر في قلب حركة تاريخية كبيرة على مستوى العالم، خرج فيها المستعمر القديم وانتهى بها عصر الهيمنة البيضاء، وطرح العرب والأفارقة أنفسهم على العالم وفي قلب الأمم المتحدة شعوبا حرة متكاتفة.

وفي 26 يوليو 1956 تقرر أن نبني السد العالي وأن نسترد القناة ورغم العدوان على مصر إلا أن الحقيقة الكبرى أن العالم بعد حرب السويس 1956 ليس هو العالم قبلها حتى ليقول نيلسون مانديلا: إن ما جرى في حرب السويس علمنا أن حجرا صغيرا في أيدينا أقوى من أسلحة مستعمرين، وأن أخا شقيقا في أقصى شمال أفريقيا استطاع أن يقول “لا”، وأن يسترد حقه، فانبثق أمامنا فجر الخلاص.” وبعد سبعة وعشرين سنة في السجن جاء مانديلا إلى القاهرة حيث وقف أمام قبر عبد الناصر يعتذر له عن تأخره في الحضور لأنه كان في السجن ويقول له: إنني حر الآن، شكرا لك فخامة الرئيس. لقد كان عبد الناصر قد رحل في ذلك الوقت منذ عقدين من الزمان، لكن الدور المصري كان قد تجسد في رجل والرجل- رغم أنه مات- صار رمزا.

ثورة يوليو وأفريقيا

مثلما عرف ناصر بأنه بطل القومية العربية، عرف أيضا بأنه بطل أفريقيا. لقد جسد جمال عبد الناصر كفاح أفريقيا من أجل الاستقلال وارتبط بأشقائه من القادة الأفارقة ارتباطا وثيقا وقاتل معهم كتفا بكتف ويدا بيد قوى الاستعمار وضرب المثل على الإخلاص لفكرة التحرر الوطني وعلى التواصل مع رموزها وعلى الاستجابة الدائمة لمتطلبات الكفاح ودفع الثمن الواجب من أجل أن ترى عينه بلدا أفريقيا يستقل من بعد بلد، ولقد صارت القاهرة قبلة لقادة العالم وفي القلب منهم القادة الأفارقة، بل إنه عندما طور الأزهر في عام 1961 نقل أعداد الطلاب الوافدين من القارة الأفريقية من أقل من 300 طالب إلى أكثر من سبعة آلاف طالب في غضون ثلاث سنوات فقط. كما أصبحت الجامعات المصرية قبلة لآلاف الطلاب تحتضنهم من كل دول العالم وبصفة خاصة الدول الأفريقية الشقيقة.

وقد حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حتى من قبل أن يتخلص من الاستعمار البريطاني، أن يضع إطارا لحركة السياسة الخارجية المصرية فتحدث عن الدوائر الثلاث العربية والأفريقية والإسلامية، لكنه سرعان ما أضاف إليها دائرة عدم الانحياز، لكن سياسة مصر الخارجية من بعد عبد الناصر وفلسفته الثورية واتجاهاته الشاملة في العمل الخارجي بدأت تتسرب إلى التبعية غير المباشرة للسياسة الأمريكية، ومن أجل ذلك بدأت تبدو كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وبالتالي لم تعد مصر الثائرة المناضلة بل مصر التي تتفاهم مع الولايات المتحدة وتلتقي أحيانا مع المصالح الإسرائيلية على نحو بدد دور مصر القومي في القضية الفلسطينية وأطلق مكانة متوهمة بزعامة شكلية ظهرت تأخذ القرار في المنطقة العربية والأفريقية لا لصالح العرب والأفارقة، ولكن لأنها تنسق مع الولايات المتحدة أيا كان الثمن الذي تدفعه الدولة المصرية من كيانها ومصالحها، وأيا كانت الخسارة التي يتحملها الشعب المصري من فقدان أصدقائه في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ناهيك عن دول مثل الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية والصين والهند وغيرها.

 

وقد قامت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة الراحل العظيم جمال عبد الناصر بجهد عربي كبير من أجل مقاومة المستعمرين وإخراجهم باعتبار أنه كان يؤمن إيمانا كاملا بوحدة القوى الوطنية والقومية في مواجهة المستعمرين لأن المستعمرين يتحدون أيضا في مواجهة الثائرين ضد الاستعمار، وعلى ذلك فقد أعلنت الثورة الجزائرية من الأراضي المصرية، كما رفض عبد الناصر نفي فرنسا لملك المغرب محمد الخامس، ولم تفرق مصر الثورة بين نظام وطني جمهوري في الجزائر، ونظام ملكي في المغرب، فكل تحرير لأرض العرب هو قوة مضافة للأمة، ولقد انتظمت الصحراء الكبرى مسيرات متعاقبة من القوافل محملة بالسلاح على ظهور الجمال تنطلق من غرب مصر إلى شرق المغرب مرورا بليبيا وتونس والجزائر حيث كان يتسلم السلاح قادة المقاومة في هذه الدول المستعمرة ويقومون بالتواصل مع من يليهم من الثوار حتى استقلت تونس والمغرب في عام 1956، وهنا تواصلت مصر مع الدولتين لمعاونة الجزائر التي كان المستعمر الفرنسي فيها مستوطنا بشعا مقيما متمسكا يعتبر أرضها جزءا من فرنسا وراء البحار، حت عاقب الفرنسيون عبد الناصر على هذا الدعم بتسليم إسرائيل مفاعل ديمونة النووي، وهو ما لم يفت في عضد الزعيم بل زاد دعمه للثورة الجزائرية. وعندما استقلت الجزائر في عام 1962 ونشبت أزمة الحدود حول منطقة تندوف الغنية بالموارد المعدنية كان عبد الناصر هنالك حزينا لإراقة الدم العربي وداعما للجزائر ومطالبا المغرب بعدم نكأ جراح الجزائريين التي لم تندمل من الاستعمار الفرنسي حتى قرر المغرب في بادرة غير مسبوقة إلى القبول بجزائرية تندوف، والانسحاب منها وعدم المطالبة بها. كان من الواضح أن المغرب قد قرر أن يركز على منطقة الصحراء وأن يستكمل تحريرها وألا يهدر قوته في قتال الأشقاء بينما الأسبان قابعون باستعمارهم في الصحراء.

كانت مصر واحدة من الدول الأفريقية المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية والتي حددت لنفسها منذ عقدت مؤتمرها التأسيسي في 25 مايو 1963 في أديس أبابا مجموعة من الأهداف يأتي على رأسها تحرير القارة الأفريقية من الاستعمار وإنهاء ظاهرة التمييز العنصرى والتعاضد بين دول القارة وصولا إلى فكرة الوحدة الأفريقية. وجاء اجتماع القاهرة في نفس التاريخ من العام التالي لكي يضع القارة الأفريقية في إطار برنامج عمل كبير للوصول إلى الأهداف السالفة. وقد شاركت مصر بقوة وفاعلية من أجل إنجاز أهداف المنظمة ولعبت دورا كبيرا سواء في العمل الجماعي أو في العمل الإقليمي للوصول إلى الأهداف المحددة وكانت مصر تحت قيادة عبد الناصر فاعلا أساسيا مشاركا في الأحداث الكبرى لعملية استقلال الدول الأفريقية حتى من قبل قيام المنظمة. وكانت مصدر إلهام سواء بدورها أو بقيادتها التاريخية (جمال عبد الناصر) أو بالكوادر الفاعلة في الشئون الأفريقية، والتي جسدت ليس فقط أهداف المنظمة ولكن حالة من التضامن والتعاطف النفسي بين الأشقاء وصل إلى حد أن مصر المكلومة بعد 1967 تدخلت بأسلوب سياسي فذ لمنع فرنسا من تخفيض المبالغ التي تدفعها لجمهورية ساحل العاج تحت حكم الرئيس فيلكس بوانيه مقابل حصولها على المواد الخام الرئيسية التي تنتجها بلاده وذلك على نحو جعل الرئيس يشعر بأنه إزاء هذا التخفيض سيعجز عن إدارة شئون الدولة وأن الميزانية لن تكفيه لتسيير الحياة اليومية، وهنا عرض المرحوم محمد غانم رئيس شركة النصر للاستيراد والتصدير أن تقوم مصر بالحصول على منتجات هذه الدولة وتسويقها، وهنا تدخلت فرنسا لمنع مصر من هذا وقدمت زيادة إضافية على ما كانت تدفع في الأعوام السابقة من أموال، وذلك رغم أن مصر لم تكن تملك الأموال الكفيلة لإتمام العرض، ولكنه كان عرضا سياسيا وتدخلا لصالح شعب أفريقي شقيق. وأمثال هذه المواقف بالعشرات يمكن إحصاؤها ومتابعتها إذا وقعنا على السفر الجليل الذي أعده محمد فايق عن “عبد الناصر والثورة الأفريقية” والذي يعد السجل التاريخي لمرحلة من العطاء المصري في القارة الشقيقة.   

وأنت تجد صدى لفرح الأفارقة بتجربة جمال عبد الناصر في كونه كان مثالاً للانتماء القومي العربي والأفريقي والإسلامي في آن واحد، وقد بلغ أقصى المدى في ذلك كله ولم يمنع أحد هذه الولاءات الولاءين الآخرين من الوجود والتأثير، فإذا كان الرجل رمز العروبة فهو رمز الأفريقية وهو أيضاً الذي طور التعليم الإسلامي وأنشأ بالأزهر كليات عملية إلى جانب كلياته القديمة، وأسس مدينة البعوث الإسلامية، وتوسع في تعليم الأفارقة وغيرهم، وهو أيضاً الذي جمع المصحف الشريف مسموعاً بعد أن جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه مكتوباً. وهذا شأن بعيد في مقومات الهوية الأفريقية والإسلامية والعربية لم يبلغه زعيم آخر. ولعل هذه الملامح من الهوية التي جسدها كتاب عبد الناصر”فلسفة الثورة” تظهر واضحة عند مفكر آخر من السنغال هو سيدي الأمين نياس، والذي كان واحداً من أبناء أفريقيا الذين تعلموا في الأزهر الشريف، وأقاموا في مدينة ناصر للبعوث الإسلامية التي رفع نظام السادات منها اسم ناصر، وإذا به يفاجئنا بكتاب يحمل عنوان “هوية بين غربتين” إذ يقدم رؤية لهوية الأفريقي المسلم الذي يمتلك ناصية ثلاث لغات لغته الأفريقية التي ورثها من الأم ولغة القرآن الكريم التي تعلمها منذ نعومة أظفاره، واللغة الفرنسية التي تعرف بها على نظام التعليم الابتدائي في السنغال.

ولقد ارتفع الحماس لعبد الناصر على أرض أفريقيا حيث تنادى إليه قادة الأحزاب الوطنية وحركات التحرر والمنظمات المقاومة إلى القاهرة، ويكفي أن يقول مانديلا: “لقد علمنا جمال عبد الناصر أن حجرا في أيدينا أقوى من المستعمر المدجج بالأسلحة”. بل إن المدهش أن الدول الغربية نفسها راحت تصور عبد الناصر ملاكما يطيح برئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن، ورئيس الوزراء الفرنسي جي موليه، بينما رسمت الصحافة البريطانية جمال عبد الناصر وقد أمسك بذيل الأسد البريطاني وراح يقطع فيه.

ولئن كان قرار تأميم قناة السويس مثار غضب المستعمرين بريطانيا وفرنسا فإن إسرائيل أقحمت نفسها في المجابهة بحثا عن اختصار للزمن يضعها “موقعا بديلا” أو يستعيد للحليفين بريطانيا وفرنسا موقعهما في قناة السويس كي تطمئن هي، بيد أن فرنسا كان لها مع عبدالناصر شأن آخر، فلم يكن تأميم القناة وحده هو الذي أثارها، إنما كانت فرنسا قد بدأت مبكرا في تسليح إسرائيل بأعتى أنواع الطائرات، كما أهدت إليها الخبرة النووية وأسست مفاعلها في ديمونة، وهو ما اعتبره عبد الناصر خيانة من فرنسا التي كانت تأكل خير شركة قناة السويس، فإذا بها بدلا من أن تتعاون مع الشعب المصري إذا بها تسلح خصومه. وكان رده حاسما في الجزائر، فهو لم يدرب الثوار الجزائريين فقط على الأعمال العسكرية، وهو أيضا لم يتبن قضيتهم على الصعيد الدولي والعربي والأفريقي بل إنه أيضا أعلن ثورتهم من إذاعة “صوت العرب” والتي عملت طوال فترة الثورة كإذاعة جزائرية تدين جرائم فرنسا وتنشر أخبار الانتصارات التي يحرزها الثوار، وفضلا عن هذا فإن مصر نجحت عن طريق حركة طبيعية لانطلاق الرعاة وجمالهم من صحراء مصر الغربية عبر ليبيا بالتنسيق مع مصطفى حليم رئيس وزراء ليبيا، ومع الثوار الليبيين وثوار تونس في إرفاد الثوار بالأسلحة عبر قوافل لا يمكن إطلاقا رصدها. ولهذا كان انتقام فرنسا كبيرا، ولهذا أيضا كانت خيبتها كبيرة بالمقاومة الشديدة التي طرحتها أيضا ليس في بورسعيد وحدها ولكن في الجزائر أيضا. والأدهى من ذلك أن الهزيمة أدت إلى انسحاب فرنسا من الجزائر ومعها نحو مليون من الجزائريين المتفرنسين الذين صاروا عبئا بعد ذلك على الدولة الفرنسية وأسقطوا حكومتها ومهدوا لرئاسة الجنرال ديجول للدولة بعد أقل من عامين من العدوان الثلاثي. فلم تكن هزيمة بورسعيد إذن هزيمة غيرت حكومة، بل إنها جلبت إلى الحكم الجمهورية الرابعة في فرنسا والتي قامت على مبدأ مشابه للمبدأ الذي أعلنته بريطانيا بالانسحاب من المستعمرات وذلك عبر ما عرف باسم “دستور ديجول”. 

لم يكن النجاح الذي نالته مصر عبد الناصر بعد معركة بورسعيد صغيرا، إنما كان كبيرًا وكان إقليميا ودوليا على نحو مبهر بحيث ظهر العالم كما لو كان معلنا عن زعامة دول العالم الثالث لشعوبها، وعن انحسار الاستعمار القديم انحسارا متسارعا وبإيقاع غير متخيل في تدفقه بما يقطع بأن هذه المعركة صنعت عالم ما بعد 1956 باعتباره عالما يشهد ثلاث قوى هي الكتلة السوفييتية الشرقية والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة وكتلة عدم الانحياز والتي وقفت تنقذ العالم في المواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية في أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا وتتدخل بين القوتين بما يؤكد أن العالم أصبح أكثر ديمقراطية وأنه ليس ملعبا للقوتين الكبيرتين فقط بل إن ما يسمى بالعالم الثالث يملك مصيره بين يديه ويتحرك بحثا عن مستقبله ويشارك أيضا في صياغة الموقف الدولي.

*عميد معهد الدراسات الأفريقية السابق ورئيس لجنة الشئون الأفريقية – مجلس النواب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.