الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

عشر قصص قصيرةجداً عن الحب

0 95

كتب :أحمد ابراهيم الفقية

( 1 )
اختليت بنفسى فى ركن على الشاطئ، أفكر فى هذه الرسالة الصادمة التى جاءت لتضع حدا لآمالى فى العش الذى كنت سأبنيه مع حبيبة القلب، والتى تقول: إن سناء حبيبة العمر التى واعدتنى على الإخلاص والوفاء، أرغموها على قبول خطبة رجل من أقاربها، أبحث فى وسيلة أدير بها معركة استردادها وانتشالها من مستقبل مؤسف حزين فى ظل رجل لا تحبه، ولكننى يائسا كتبت أرد على رسالة نجدة وصلتنى منها على الموبايل أقول، بأننى قرأت فى ترجمان الأشواق لمولانا القطب الأكبر محى الدين بن عربي، أن الأحبة الذين تمنعهم مشاكل الحياة الدنيا من تحقيق الوصال، سيهيء لهم رب العباد سبيل اللقاء فى الدار الآخرة، بإذنه تعالى، فتبا لهذا الحظ الذى يقف ضدنا فى دار الباطل، دار الفناء والمعاناة، وإلى لقاء يتحقق فى دار الحق، دار البقاء والهناء.
وخرجت من عزلة الشاطئ أبحث عن دار عرض تتخصص فى عرض أفلام الأبيض والأسود لأغرق أحزانى فى فكاهات واستكتشات مهرج الأزمنة الجميلة الممثل الكوميدى إسماعيل ياسين، متطلعا ليوم اللقاء إن شاء الله مع حبيبة القلب فى ذلك المكان الذى لابد أن إسماعيل ياسين قد ذهب إليه يعرض فكاهاته على أهله هناك.
(2 )
تطلعت إلى السماء فرأيت وجه حبيبتى “س”، معكوسا على صفحة قمر كامل الاستدارة، ذهبى اللون، يتوسط قبة السماء، ويفرش نوره حولها، وأصابتنى حالة من الذعر، لأن معنى ذلك أن وجه المرأة التى أتكتم على حبها وأطوى عليه قلبي، ولا أطيق أحدا أن يتطلع إليها ويرى سحر عينيها، أصبح مكشوفا لكل البشرية التى تعيش فوق كوكب الأرض، وتنبهت إلى أن هناك صديقا يشاركنى هذه الجلسة فى شرفة المقهى الذى أسهر فيه قرب البحر، فى هذه الليلة الصيفية المبهجة، فسألته أن يتطلع إلى القمر ليقول لى ما يراه، فألقى نظرة خاطفة وقال إنه لا يرى إلا الزنجية المعلقة من ثدييها كما تقول الأسطورة الشعبية الليبية عن ذلك الغبش الذى يتخلل وجه القمر.
( 3 )
لا أدرى كيف بدأت المطاردة ولا أين بدأت ولا الأسباب التى دفعت هذا الحشد من البشر الذى يضم رجالا ونساء وأطفالا إلى الجرى ورائي. كنت أعدو وأعدو، محتفظا بمساحة آمنة بينى وبينهم، كلما ألقيت نظرة خلفى ورأيتها تضيق، ازددت سرعة فى الركض، لكى لا تزداد ضيقا، تجعلنى مهددا بالوقوع فى أيديهم. كذلك لم أكن أعرف من هم هؤلاء القوم الذين يطاردونني، وماذا سيحصل لى إذا أدركوني، فقد كان الشارع الذى حصلت فيه المطاردة معتما، تظلله أشجار كثيفة تنتصب على الجانبين، وانتهى الشارع إلى فضاء مترب لا شجر فيه ولا ظل، تسطع فيه أشعة شمس حارقة، وحانت منى التفاتة، فإذا بجمهور

المطاردين هم أسرتي، أبى وأمى وأخوتى وأخواتي، وجيران العائلة بنسائهم ورجالهم وأطفالهم، وكانت الأرض رخوة تسوخ فيها القدمان، والشمس حارقة ، فلحقنى الإجهاد وأبطأت فى العدو، مما جعلهم يلحقون بي، ويمسكوننى ويضعون فوقى جبة العرس، وترتفع أصواتهم بتلاوة نوبة مالوف سبحان
من أعطاك يا آمنة، التى تستخدم فى زفة العريس، وساروا بى يزفوننى إلى عروس لا أعرف من تكون، ولم يسبق لى أن رأيتها أو عرفتها، بينما العبرات تنهمر من عينى آسفا على الحبيبة التى ضربت موعدا للقائها فى حديقة البلدية.
( 4 )
أعادتنى آلة الزمن ، إلى عصر قيس بن الملوح، سيدا من أسياد ذلك الزمان، أسكن قصرا، وأدير ملكا، وأملك المال والنفوذ، وكنت قد تأثرت فى صباى بقصة مجنون ليلى وما حصل له من عناء، بسبب حبه لابنة عمه ، فأردت إنصافه وتمكينه من تحقيق الوصال مع حبيبته، وأمرت بإحضاره إلى مجلسى من بادية الشام، فجاء وارتمى على أحد الطنافس إعياء، أنهكه العطش والجوع، وهو يتمتم بواحد من أبيات شعره يقول :
قضاها لغيرى وابتلانى بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
فأمرت بأن مدوا أمامه أسمطة الطعام والشراب، وقلت مظهرا استعدادى لإنقاذه من مأساته والجمع بينه وبين حبيبته فى الحلال، وتسخير ما أملك من سلطة وجاه ومال فى تحقيق ما يصبو إليه قلبه المعذب، فقلت له :
ــ لماذا تقول بأنه قضاها لغيرك ، فى حين أن الأمر ليس إلا خطوبة ، سنعمل على فسخها بإذن الله، كما سنقنع شيخ بنى عامر، على الموافقة على زواجك بابنة عمك ليلى، وهيء نفسك للقائه فسوف يأتى إليك معتذراً طالبا منك الصفح واضعا يده فى يدك لقراءة الفاتحة.
فإذا بقيس يقف مغضبا قائلا فى نبرة مفعمة بالاستغراب والاستنكار:
ــ وهل قلت إننى أريد الزواج منها، أم سمحتم لأنفسكم، لأنكم تملكون السلطة والمال أن تفكروا نيابة عن الناس أمثالى وإملاء إرادتكم عليهم فيما يريدون أو لا يريدون. لم أذهب هائما فى البوادى بعيدا عن عمرانكم إلا هروبا من تسلطكم ونشدانا لحرية لا أجدها إلا بعيدا عن قصوركم.
فقلت وقد أذهلنى غضبه واستنكاره ورفضه لما أعرض عليه
ــ لم أكن أريد غير العون والمساعدة.
ــ لا أريد عونا ولا مساعدة من أحد، والعون الذى أريده هو أن تتركونى وشأني، هائما فى الصحراء التى هى بيتى ، أرضها فراشى وسماؤها غطائى ولحافى ، وليلى التى أريدها أستطيع استحضارها ومناجاتها والاستلقاء بجوارها فوق الرمال متى أشاء ، منشدا لها أشعارى متأملا سحر عينيها وجمال وجهها القمري، لأننى أنا الذى صنعتها من خيالى ، لا تلك التى يريد السيد ورد أن يشتريها ويريد شيخ بنى عامر أن يبيعها له وهى سعيدة بأن تكون بضاعة تباع وتشترى. وأنت أرجوك أن تبتعد فلا تدخل فيما لا يعنيك، لأنك لن تجد إلا مالا يرضيك.
وتوكأ على عصاه خارجا، فلم اعترض طريقه، وطلبت من العامل المسئول عن آلة الزمان أن يعيدنى إلى مقهى الفجر فى طرابلس لكى أكتب هذه القصة ، نادما على رحيلى إلى زمن مضى ، لم أعد منه إلا بالتعزير والنفور من مجنون ليلى الذى لم أعرف أنه حقا مجنون إلا بعد هذه الرحلة .
( 5 )
جلست الراقصة أمام كاميرات التليفزيون تحكى للمشاهدين مقتطفات من قصة حياتها، لكى تكون عبرة للأجيال الطالعة، تناولت فى جزء منها عددا من العشاق الكثر الذين مروا فى حياتها، وذكرت أن أربعة منهم انتحروا على باب بيتها، وذهبوا شهداء على مذبح الحب والغرام، وأدارت وجهها إلى رجل أنيق كان يجلس بجوارها، قائلة إنه آخر أزواجها وعشاقها، وأنه يقول بأنه يموت هياما فى جمالها وفتنتها، راجية أن يكون هو العشيق الخامس الذى ينتحر ملتحقا بشهداء عشقها، فتكلم الرجل مترحما على قتلى الغرام من عشاق زوجته، قائلا إنه لا عجب لمن يرى هذا الجسد الفاتن وهاتين العينين الساحرتين وهذين النهدين النافرين وهذين الحاجبين المعقودين فوق الجبين المضيء، أن يسترخص حياته ويقدمها قربانا فى معبد الحب والجمال، مضيفا أن الفرق بينه وبينهم أنهم أحبوا ولم يطولوا ما أحبوه، بينما هو صار عاشقا مثلهم لنفس المرأة، وأتاحت له الأقدار أنه نال وطال ، وانتفى بالنسبة له السبب فى الانتحار، لأنه غاطس فى نعيم الجمال والهيام، فقالت له بصراحة الراقصات، أنه منذ هذه اللحظة، لن يطول ولن ينول، وستنتظر أن يبرهن على عشقه لها بأن يصبح الشهيد الخامس من شهداء غرامها.
( 6 )
كان الرجل يبحث فى عقله وقلبه عما بقى من علاقة الحب القديم التى جمعت بينه وبين هذه المرأة التى فارقها منذ عشرين عاما، وجاءت الصدفة تجمع بينهما هذا اليوم .وكانت المرأة أيضا تبحث فى عقلها وقلبها عن عبق تلك الأيام، وعما بقى فى عوالم ذاتها من بهجة وجمال العلاقة التى انقضى عليها عقدان من الزمان، كان الكلام يدور بينهما عن أشياء غير ما تقوله الحواس والخلجات، التى ما زالت تفتش فى بقايا الذكريات التى تختفى خلف رمال تراكمت بفعل تقادم الأيام، إلا أن الكاتب الذى كان يراقب الموقف ويجوس بحسه الأدبى خلف أضلع الصدور كان يعرف، أن العبق القديم ما زال موجودا ، وأن شيئا من تلك العلاقة ترك وشما لا يزول فوق الوجدان ، ولكنها عبثا تبحث الآن عن ذلك الحبيب فى الرجل الذى أمامها، وعبثا يبحث هو عن تلك الحبيبة فى المرأة التى أمامه ، فهما لم يعد لهما وجود الآن، غريبان يلتقيان وغريبان سوف يفترقان، أما الذكريات فهى موجودة فى الجيب السرى لدى كل منهما بمعزل عن هذا اللقاء.
( 7 )
قالت حبة رمل لحبة رمل أخرى التقت بها فى واحدة من أعراس المطر النادرة التى تقام فى الصحراء الليبية، حيث تلتقى هذه الحبات فى حالة اندماج وتلاحم تجمعها حلقات الرقص تحت الماء :
ــ أهلا يا عزيزتي، مضى زمن طويل دون أن نلتقى ؟
ــ كيف تقولين ذلك يا حبيبة قلبي، ولم يمض على لقائنا الأخير غير ثلاثين مليون عام . ألا تذكرين عندما كنت تستخدمين عطر الزعتر البرى ، الذى تعلمت منك استخدامه.
ــ نعم ، أستطيع أن أتنسم هذا العطر ، إننى أحن إليه رغم أننى وجدت نوار أبى قرعون أكثر جمالا ، وله فوائد لنضارة البشرة ، عند استعمال رحيقه دهانا.
ــ وهل تشكو بشرتك من أى نقص فى النضارة أستغفر الله، من يراك لا يعطيك أكثر من مليار عام فقط ، بينما نحن بنات فئة عمرية واحدة تزيد على ثلاثة مليار عام.
ــ تكلمى همسا يا صديقتى لأن هناك من سوف يشمت فى عمرنا ويتباهى أنه أكثر شبابا منا إذا سمع ما تقولين.
ـــ لا عليك يا روحى فنحن أكثر منهن شبابا، لأن من بين الحاضرات من ولدت مع بداية عمر هذه الأرض الليبية قبل أربعة مليار عام .
( 8 )
حمل البريد رسالة، مكتوبة بدموعها
تنعى إلى غرامنا، وتقول تم زواجها
مطلع قصيدة سمعتها من زميل فى المرحلة الجامعية، كان قد تعرض لصدمة فى حبيبته التى أرغمها أهلها على الزواج بدل انتظار الحبيب الذى مازال طالبا، وكنت أواسيه وأحاول التسرية عنه. وتفرقت السبل بتلك المجموعة من زملاء الجامعة، والتقيت بصاحب هذا البيت بعد ثلاثين عاما أو أكثر، أعيد تذكيره بغرامه القديم، الذى كنت شاهدا على مدى معاناته وبكائه والأمه عندما حصلت هذه القصة، واستظهرت أمامه هذا البيت الذى لم يسقط من الذاكرة، فوجدته يسألنى باستغراب عمن يكون صاحب هذا البيت من الشعر، ولم يصدق حقا أنه هو الذى كتب هذا البيت بدموعه ردا على الدموع التى كتبت به حبيبة قلبه رسالتها التى تنعى فيها قصة حبهما، ووجدته لا يذكر شيئا من أمر قصيدته ولا رسالة الحبيبة ولا قصة الحب كلها من أولها إلى آخرها.
( 9 )
كانت فتاة رشيقة جميلة ترتدى حلة زاهية الألوان أشبه بجنينة ورد، تدرج فى خطوات أشبه بالرقص فوق رصيف الشارع ، وفراشة تحط بجمال أجنحتها وزهو ألوانها فوق فرع شجرة من أشجار الطريق، خالية من الأزهار، رأت الفتاة تخطر قريبا منها ، فانتقلت بسرعة وحطت فوق كتفها ، تغرد وتخفق بأجنحتها فى حبور وبهجة ، وقد بدا واضحا أنها اعتبرت الفتاة الرشيقة ببهاء ألوان ثوبها وأريج عطرها ، شجرة أجدر بأن تكون وطنا للفراشات من أشجار الطريق الخالية من الزهور.
( 10)
كان ما حصل لى أشبه بما حصل للجاحظ، عندما كان يجلس أمام دكان الوراق الذى يستنسخ له كتبه، ووجد امرأة لها عينان نجلاوان، تظهران من وراء البرقع، تقف أمامه وتسأله أن يتبعها فى مشوار قريب، فلم يكن ممكنا لرجل له قلب أديب أن يقاوم سحر تينك العينين، فقام ممتثلا لأمر المرأة حتى وصلت به إلى دكان صائغ، وقالت إن هذا هو مطلبها، ومضت فى سبيلها، فسأل الجاحظ صاحب الحانوت، عما تقصده المرأة بإحضاره إليه، فقال له إنها إرادته أن ينقش لها تعويذة ضد الشيطان، فسألها إن كان لديها شكل للشيطان تريد رسمه فوق التعويذه، فذهبت وأحضرت له الجاحظ، ليرسمه باعتباره يماثل الشكل الذى فى ذهنها للشيطان. والقصة يرويها الجاحظ عن نفسه بما لديه من حس الدعابة والمرح.
وما حدث معى هو أنه أثناء جلوسى فى ركن ارتاده من مقهى الفندق الكبير، أن جاءتنى امرأة ساحرة الجمال، لا ترتدى برقعا يحد من هجوم عينيها، ولا ينقص قوة السحر فى ملامح وجهها ، فماً وأنفاً وجبيناً وحاجبين وشفتين وشعرا كأمواج بحر يسيل فوق قامتها الهيفاء حتى يصل إلى الردفين، وعنق أسيل وصدر ناهد وأصابع تزينها الخواتم وتكوينات العشق والغواية مرسومة بالحناء، وبشرة تشع من أماكن الفتنة فى الجسم، وأسلحة أنثوية فاتنة مشرعة للفتك والدمار تستهدفنى وتريد سفك دمي، وبادرتنى قائلة “هل أنت الكاتب الكبير أحمد إبراهيم الفقيه” فقلت لها “أعترف بأننى هو وأعترض على الكبير فهو اسم لهذا الفندق وليس لى حق أن أستعير منه اسمه”
وبقيت أنظر إلى جمالها الفتان مذهولا أردد فى خاطرى بيت الشعر الأندلسى جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس، ثم قالت وهى تسكب زيتا على نار الوجد المشتعلة بين الضلوع ، وأمنيات الوصل والوصال التى داعبت خيالى “إننى معجبة بما تكتب، شديدة العشق للشخصيات التى ترسمها فى قصصك ورواياتك”
وأضافت قبل أن أفتح أحضاني، أرد على إعجابها بإعجاب أكبر وعلى عشقها بعشق أكثر شدة والتهابا “ سيعقد قرانى هذه الليلة على خطيبى فى هذا الفندق وهو أيضا صاحب نهم لقراءة ما تكتب، ونريدك أن تكون شاهدا على العقد، لو سمحت”
وأخرجت بطاقة دعوة ذات ألوان ذهبية ، وتركتنى وقد تحول اللهب الذى اشتعل فى القلب، إلى رماد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.