الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

عــن العشـــاق ســألــونــى

0 154

كتب :د.عبد البديع عبدالله

والشعر العربى غنيٌّ بموضوعات الحب أو الغزل التى قد تحمل مبالغة فى التعبير، كأن ينتقل الحب من الأشخاص إلى توابعهم من الركائب والحيوان
الحياة العربية التى كان الشعر ديوانها وأداة تعبيرها لم تبخل على فن أدبى من فنون النثر هو «القصة»، فقدمت نماذج رائدة من هذا الجنس الأدبى سابقة على مثيلاتها فى الآداب الأخرى
أقدم قصة حب مكتوبة عند العرب هى قصة «مضاض ومي»، وهى أسبق من قصة جميل وبثينة، وكثير وعزة، وقيس وليلى.

إحساس غريب يسرى فى الإنسان يجعله كائنًا ساميًا على كل الكائنات، أخفّ من الهواء، وأعلى من الكواكب والنجوم، وأقوى من الأنواء. إحساس يُحرِّك فيه قدرات عقلية ونفسية، يصنع طموحًا وإرادة لا حدود لهما، ولا أفق يحجبهما. عرفه الإنسان وشعر بوجوده حينما كان بدائيًّا يعيش فى كهوف، وظل معه بعد أن حقّق ما تطلّع إليه من منجزات فى الحضارة والحياة. دفعه للعمل الشاق لإسعاد من أحب، وصعد به إلى أعلى درجات الطمأنينة والسعادة.
والأدب العالمى غنيّ بموضوعات عن الحب أَثْرَتِ الشعر وسَمَتْ بالشعراء. والشعر العربى غنيٌّ بموضوعات الحب أو الغزل التى قد تحمل مبالغة فى التعبير، كأن ينتقل الحب من الأشخاص إلى توابعهم من الركائب والحيوان، كما ورد على لسان هذا الشاعر البدوي:
أُحبُّها وتُحِبُّنِي
وَيُحِبُّ نَاقَتَهَا بَعِيرِي
أو تلك الأبيات التى تروى قوة النظرة المحبة تنفذ فى قلب المعشوق سرًّا لا يلحظه إلا المقصود به:

رَمَتْنِي، وَسِتْرُ اللهِ بينى وبينها عَشِيَّةَ آرامِ الكِناسِ رميمُ
رميمُ التى قالتْ لجيرانِ بَيتِها ضمنتُ لكمْ ألَّا يزالَ يهيمُ
فيا رُبَّ يومٍ لو رمتنى رميتُها ولكنَّ عهدى بالنِّزالِ قديمُ

ولكن الحياة العربية التى كان الشعر ديوانها وأداة تعبيرها لم تبخل على فن أدبى من فنون النثر هو «القصة»، فقدمت نماذج رائدة من هذا الجنس الأدبى سابقة على مثيلاتها فى الآداب الأخرى، نافيةً – فى الوقت ذاته- فكرة أن القصة إبداع أوروبى غير عربي. فقد كشفت المصادفة أن كتابًا من أوائل الكتب التى عرفها العرب يجمع معارف الإنسان من خبرٍ وتخيُّل فى مجلد واحد، ذلك الكتاب هو كتاب «التيجان».
وكتاب «التيجان» من أقدم ما خلّف العرب الأقدمون من تراث مكتوب، وهو مرفوع إلى «وهب بن منبه» برواية ابن هشام، وهو كتاب فى الأخبار «التاريخ» يمزج الحياة الواقعية بالأسطورة المتخيلة. وهو مشوِّق، سهل الرواية، جميل الأسلوب، ثريٌّ بما يمتلكه من سعة فى الخيال.
ومما جاء فى الكتاب أقدم قصة حب مكتوبة عند العرب هى قصة «مضاض ومي»، وهى أسبق قصص الحب العذرى عند العرب، كقصة جميل وبثينة، وكثير وعزة، وقيس وليلى.
كما أنه سابق أيضًا على قصة الحب بين «عنترة» وابنة عمه «عبلة» التى قِيلت فيها معلقة «عنترة».
وقصة «مضاض ومي» تكاد تكون نواة قصص الحب العذرى أو الرومانسى فى الآداب العربية والأوروبية بحكم أسبقية التاريخ العربى على تاريخ أوروبا الحديث. وهى قصة بشرية بعيدة عن القصص العاطفى المعروف فى حضارات ما قبل الميلاد، كقصة اختطاف «باريس لهيليني» التى أشعلت حرب طروادة، أقدم قصة ملحمية عرفها الأدب اليونانى القديم التى تقوم على فلسفة أن الإنسان لعبة بيد القدر «الآلهة».
«مضاض ومي» قصة إنسانية فيها الحب الذى يقع من أول نظرة، وما يتبعه من أشواق ورغبة فى الامتلاك والاندماج والغيرة. النار الطبيعية التى تأكل قلوب المحبين، وما تُحدثه من توتر نتيجة سوء التفاهم أو سوء التفسير، أو السقوط ضحية الكارهين الذين يُفرِّقون بين الأحباب، وينجحون فى سعيهم، فيزداد العشاق عذابًا ومعاناة وحرمانًا وألمًا، فإذا ظهرت الحقيقة فى نهاية المطاف، يكون العشاق قد انتهوا إلى اليأس أو الموت.
والغريب أن قصة «مضاض ومي» تدور أحداثها فى مكة فى الجاهلية، وهى حلقة فى سلسلة طويلة من حلقات الأخبار وسرد الأحداث. تبدأ ببلوغ «مضاض» سن الشباب والفتوة: «لم يكن بمكة ولا ما والاها أجمل منه»، وتعلّقت بحبه ابنة عمه «مى بنت مهلهل» صاحب «الشِّعْب». وتصفها القصة بأنها كانت: «أجمل مَنْ رأته العُيون»، ففُتن بها وفُتنت به، وشَبَّ معها وشَبَّت معه فى حى واحد. وكان حبًّا عذريًّا عبّرت عنه الحكاية بتعبير كنائى لطيف فقالت: «وصان مِئزره عنها». وكان الطبيعى أن يُتوَّج حبهما بالزواج، لولا أن العرب لا يُزوِّجون فى شهر رجب، ولا يفعلون شيئًا إلا «العمرة والطواف». فاتفق الأهل أن يتم الزواج بعد هذا الشهر، وذهب «مضاض» لأداء العمرة والطواف بالبيت، وأرادت «مي» أن تتبعه حبًّا أو غيرةً عليه من النساء، وتطوف «متنكرة» لئلا يعرفها. وهذا ما يفعله الحب بمن أُصيب به، غيرة ولهفة. وأثناء اعتمارها، وكان اليوم قائظًا، تقدمت إحدى الفتيات «رقية بنت البهلول الجرهمي» تسأله شربة ماء، وكانت هناك عين راصدة بالسوء هى عين «قبيس بن سراج الجرهمي» الذى كان يُبطن ولعًا وحبًّا لـ»مي». فاشتعل قلبها غيرة وسقطت مغشيًّا عليها، ولكنها لملمت جرح قلبها ونهضت وعادت إلى أبيها غاضبة مغاضبة الفتى الذى اختارها من دون بنات قومها، وشكته إلى أبيها قائلة:
«انصدع قلبى انصداعًا لن يلتئم بعدها صدعُه. يا أبتِ، إن مضاضًا ابن عمى دعا قلبى فأجابه، فلما أجابه قذف الهوى خلف النوى. رأيته يلاحظ «رقية بنت البهلول»، وسقاها ماء، ففارق روحى جسدى أسرع من طرفة عين، ثم تداركت أمرى ورأيت أنه بَدَّل حبًّا بحب». واختارت الفتاة الفراق من مكان يكون فيه مضاض، ووافقها أبوها! فذهبت إلى ديار أخوالها، وقالت فى ذلك شعرًا منه:
مضاض،غدرت َالحبَّ والحبُّ صادقٌ وللحبِّ سلطانٌ يعزُّ اقتدارُهُ
غدرتَ ولمْ أغدِرْ وللعهدِ موثقٌ وليس فتًى من لا يقرّ قراره
واستغل «قبيس بن سراج» غضبها، فعمل على صب الزيت على النار لعله يصل إلى مأربه منها. وكانت لوشاياته الكاذبة أثرها فى قطع ما بين «مضاض» و«مي» إلى آخر مداه. قال لها:
«رأيت مضاضًا واضعًا كفيه على قرون رقية بنت البهلول فى الطواف. وهو يدفع عنها الطواف سانحًا وبارحًا. ثم استسقته ماء فناولها سقاء بيده، فشربت منه وناولته، وادعى «قبيس» شعرًا على لسان مضاض فى رُقية:
«رقية» قلبى قد تبين صدعه
وللحبِّ منى شاهدٌ ودليلُ
رأيت الهوى يهوى، وللوصل واصل،
فهل لك أن يلقى الخليل خليل؟
قال الواشني: فأجابته «رقية» بقولها:
أصون الهوى، والطرفُ منى كاتمٌ
ولا يعلمون الناس إذ ذاك ما دائي
سوى أننى قد فزتُ منكَ بنظرةٍ
تجرعتُ عذابَ الحب منه معَ الماءِ
وبلغ عذاب «مي» مداه بعد سماعها الأبيات الكاذبة المتبادلة بينه وبين «رُقية»، وبلغ غضب «مضاض» مداه بعد أن عرف الفِرية التى افتراها عليه «قبيس»، فركب فرسه وأخذ سيفه يريد قتل الكاذب. وهرب الأخير من وجهه إلى البيداء وانتهى أمره، ولم يعثر له «مضاض» على أثر، فرجع إلى «مي» وكانت فى هودجها، فحاول استرضاءها وتوضيح ما حدث، وأنه بريء مما قيل عنه، ولكنها لم تسمع ولم تقبل منه عذرًا أو تفسيرًا، فأنشد يقول:
يَعْشَى عَنِ الناسِ لحظُ طَرْفِي
وعنكِ يا «ميّ» غيرُ عاشِي
أتهجرينى بغيرِ ذنبٍ
وتقتلينى بقول واشي؟
عنه وزحفت غضبى لكرامة أبيها بعد أن عرف الناس ما كان بين «مضاض ورقية» وصدقوه، وعبرت عن ذلك بقولها:
أبى حسبى من أن يهان، وأن يكن وقد قدحت فيه العداة، ذليلا
فأبديتنى للناس حتى نصبتنى وأبديت من نفسى إليك خليلاً

واستمر الحوار بينهما شعرًا. هى غاضبة من فعلته التى لم يفعلها، ثائرة لكرامة لم تُمسَّ، وهو يجتهد فى إيضاح ما قد كان لإظهار براءته، وانتهى ما بينهما بأن ولّت عنه وتجهمته، فاختار أن يترك حياة الفروسية ويهيم فى الصحراء حتى مات.
أما كيف عرفت «مي» الحقيقة، فكان عند لقائها بمنازل «رقية بنت البهلول» المجاورة لمنازل أهلها، فسألتها «مي» عما كان بينها وبين «مضاض»، فأعلمتها وقالت:
«ظلمتيه يا «مي»، بالله ما كان بينى وبينه قط سبب إلا استسقائى منه الماء، وذلك أنى كدت أموت عطشًا، واحتشمت أن أقف إلى «السَّدَنَة»، ولم أرَ مَنْ أعرفه من أهل الطواف. ولما رأيت مضاضًا، حملتنى إليه دلة القرابة وحداثة سنه، فكلمته، فسقاني، ثم ما رأيته بعدها إلى يومى هذا.
قالت لها «مي»:
فهل كان منك إليه شعر ومنه إليك شعر؟
قالت:
لا والله، ما كان بينى وبينه غير استسقائى الماء».
وندمت «مي» على ما كان منها إليه، وبعثت إليه فلم تجده، وتعاظم شوقها، وسعت باحثة عنه حتى قيل لها إنه مات فى البيداء، فأنشدت:
أيا موطن الموتِ الذى فيهِ قبرُهُ سقتكَ الغوادى الساريات الهوامع
ويا ساكنًا بالدوحتين مُغَيَّبًا لأن طرت عن إلفٍ فإلفك تابع
وماتت من فرط الندم أو الشوق أو الألم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.