الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

فلسطين … في مدركات عبد الناصر

0 91

كتب :د.رفعت سيد أحمد

>> رؤية ناصر وثورة يوليو لقضية فلسطين ولطبيعة الصراع العربي الصهيوني ومآلاته، لاتزال قادرة على أن تواكب وتؤطر لما يجري اليوم من صراعات حول وبداخل هذه القضية

>> تؤكد وثائق عبد الناصرأن الصراع الذى تجرى أحداثه فوق أرض فلسطين، كان ولا يزال، صراع وجود، صراع بقاء بين الأمة الاستعمار من جانب آخر
>> أثبت التاريخ بؤس الاتفاقات التي وقعت مع العدو الصهيوني، وفشلها، ونتائجها الكارثية وأثبتت جميعاً بالمعنى العكسي صدق قومية المعركة كما وأدركها وأدارها جمال عبدالناصر

>> أكسبت ثورة يوليو الصراع العربي-الصهيونى سمة مهمة أثبتت التطورات الأخيرة التى تعيشها قصة الصراع اليوم صحتها، تلك هى طبيعة الالحضارية
في الذكرى المائة لميلاد جمال عبد الناصر تتعدد زوايا النظر إليه، كزعيم استثنائي قاد ثورة كبرى أثرت – ولاتزال- في جميع مناحي الحياة، داخل مصر وخارجها، ثورة اشتبكت مع قضايا استراتيجية وحضارية مصيرية، وقدمت أثناء اشتباكها رؤى، لايزال أغلبها صالحاً، في خطوطه العامة، لأن يحتذى، وأن تسير الأمة على هداه.

من بين تلك القضايا الاستراتيجية والحضارية، قضية الصراع العربي الصهيوني، والتي تعيش أمتنا اليوم أحد أخطر فصولها والذي يتصل بالقدس والمقاومة، ومحاولات إنهاء القضية من خلال أوهام سياسية رائجة عن (صفقات قرن) و(تطبيع) و(مبادرات سلام)، لاحظ لها جميعاً في الواقع الدامي الذي يفرضه الاحتلال الصهيوني على كامل فلسطين المحتلة؛ في هذا السياق تأتي أهمية إعادة قراءة رؤية عبد الناصر وثورة يوليو لقضية فلسطين ولطبيعة الصراع العربي الصهيوني ومآلاته، وكيف أن هذه الرؤية لاتزال قادرة على أن تواكب وتؤطر لما يجري اليوم (2018) من صراعات حول وبداخل هذه القضية، التي تعد وبحق القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية: فماذا عن مدركات عبد الناصر لها ؟

 

يمكن بلورة مدركات جمال عبد الناصر وثورة يوليو لطبيعة الصراع العربي-الصهيونى وبعد متابعة لوثائق الثورة المختلفة، (خطابات لعبد الناصر ووثائقه الثلاث: فلسفة الثورة – الميثاق الوطني – بيان 30 مارس) نجد أن عبد الناصر قد أدرك الصراع وفهمه على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: أن الصراع العربي- الصهيونى صراع مصيرى بالأساس.

المستوى الثاني: أنه صراع قومي.

المستوى الثالث: أنه صراع حضاري.

وبتفصيل تلك المستويات نجد الآتى :

المستوى الأول: مصيرية الصراع

تجمع وثائق الثورة وتحديدا وثائق عبد الناصر، على أن هذا الصراع الذى تجرى أحداثه فوق أرض فلسطين، كان ولا يزال، صراع وجود، صراع بقاء بين الأمة العربية من جانب وقوى الاستعمار من جانب آخر.

يقول عبد الناصر “إن الأرضية الأصلية وراء الصراع العربى الإسرائيلى هى على وجه الدقة  أرضية التناقض بين الأمة العربية الراغبة فى التحرر السياسى والاجتماعى وبين الاستعمار الراغب فى السيطرة وفى مواصلة الاستغلال”،

ويقول أيضاً: “وفيما مضى كان سلاح الاستعمار ضد الأمة العربية هو سلاح التمزق وبعد حربين عالميتين ومع تعاظم الإيمان بالوحدة العربية لجأ الاستعمار إلى إضافة سلاح التخويف إلى سلاح التمزيق”، وكان أن استغل فى ذلك الدعاوى الأسطورية للحركة “الصهيونية”، وهكذا سلم وطناً من أوطان الأمة العربية غنيمة مستباحة للعنصرية الصهيونية المدججة بالسلاح لكى يتم تكريس تمزيق الأمة العربية أو ليتحقق تخويفها باستمرار عن طريق إيجاد قاعدة فى قلبها لتهديدها، فضلا عما يتبع ذلك من استنزاف كل إمكانات القوة العربية فى صراع محكوم فيه تاريخياً”.

وفي خطاب آخر يقول عبد الناصر: “ولقد زاد من حدة التناقض بين الأمة العربية والاستعمار ظهور الحركة التقدمية العربية بقيادة الفلاحين والعمال العرب الأمر الذى دفع الاستعمار إلى مغامرات عنيفة ومخيفة عَبَّرت عن نفسها سنة 1956-1967 والتى عرفت بحرب الأيام الستة التى هى فى الواقع مقدمة لحرب لم تنته حتى الآن”، – والقول لعبد الناصر- هذه هى أرضية الصراع العربي – الإسرائيلى التى هى فى الواقع “أرضية التناقض بين آمال الأمة العربية وحقوقها المشروعة بين أطماع الاستعمار ومخططاته ومؤامراته”.

* تلك أقوال عبد الناصر ومدركاته وكأننا به يقرأ المستقبل لما يقرب من ستين عاماً تالية لإطلاقه لتلك المقولات والمدركات، ستون عاماً من الصراع العربي الصهيوني، أريقت فيه دماء واحتلت فيه أراض، وانتصرت فيه أيضاً جيوش (حرب 1973) وحركات مقاومة شعبية فذة (حزب الله وانتصارييه في جنوب لبنان عام 2000و2006 نموذجاً). إنه إذن صراع مصيري، ومتجدد في مصيريته.

المستوى الثاني: قومية الصراع

لقد كان عبد الناصر يعتبر الصراع مع العدو الصهيوني صراع قومي بالأساس وليس صراعاً قُطرياً، كل وثائقه وخطاباته ومواقفه التي ترجمتها تلك الوثائق أثبتت ذلك، على النقيض مما ذهبت إليه العديد من القوى والنخب الحاكمة والمثقفة في بلادنا طيلة السبعين عاماً الماضية من عمر صراعنا مع العدو الصهيوني (خاصة نخبة كامب ديفيد) التي وياللغرابة لاتزال تمتلك الجرأة لتكتب وتنظر في قضية الصراع العربي الصهيوني لتدعو إلى (قُطرية) الصراع وأن لكل دولة الحق في أن تُجري اتفاقاتها المنفردة مع الكيان الصهيوني، وأن هذا هو السبيل الوحيد لحل الصراع العربي الصهيوني، لقد أثبتت وثائق التاريخ وبؤس الاتفاقات التي وقعت مع العدو الصهيوني، وفشلها، بل ونتائجها الكارثية بعد هذا الفشل، خاصة الاتفاقات الثلاث (كامب ديفيد 27/9/1978 – أوسلو 13/9/1993 – وادى عربة 26/10/1994) وغيرها أثبتت جميعاً بالمعنى العكسي صدق قومية المعركة كما فهمها وأدركها وأدارها جمال عبدالناصر، لقد ثبت عملياً فشل تلك الاتفاقيات وعبثيتها، وعلى النقيض منها كان عبد الناصر يدرك أن المقاومة بمعناها الشامل، وبقوميتها الواسعة هي السبيل لمواجهة المشروع الصهيوني، وأنه حتى لو تركنا لهذا العدو (كل فلسطين) فإن مشروعه في العدوان سيستمر لأنه يستهدف الأمة كلها، وأن الصهيونية هي مقدمة للاستعمار العالمى ، وأن القضية لم تكن قضية أبناء فلسطين فحسب ، وإن كانوا هم الطليعة والمقدمة فى عملية المواجهة السياسية والعسكرية مع إسرائيل ، فالقضية قضية كل أقطار الوطن العربى ، وهنا يقول عبد الناصر (إن أى عدوان على العالم العربى ، يعتبر عدواناً على كل بلد عربى ، ونحن باعتبارنا الجمهورية العربية المتحدة التى أخذت على نفسها واجب الطليعة فى هذا لن نتخلى عن هذا الواجب) ويرى أن سقوط أى بلد عربى إنما يكون دائماً هو البداية لسقوط باقى البلاد العربية ، وإسرائيل تدرك هذه الحقيقة ومن ثَمَّ فهى تقف ضد الوحدة العربية مفهوماً وسلوكاً (كانت إسرائيل أيضاً تعادى الوحدة بل كانت إسرائيل تعادى وحدة الكلمة بين العرب ، كانت إسرائيل تحاول أن تفرق بين العرب ، حتى تستطيع أن تهاجم فى الشمال وتجمد فى الجنوب ، أو تهاجم فى الغرب وتجمد فى الشرق) !! .

المستوى الثالث: حضارية الصراع

لقد أكسبت ثورة يوليو الصراع العربي-الصهيونى سمة مهمة أثبتت التطورات الأخيرة التى تعيشها قصة الصراع اليوم (2018) صحتها، تلك هى طبيعة الصراع الحضارية، حيث الصراع مع إسرائيل ليس فقط مع مجموعة من العصابات الصهيونية القادمة من أوروبا والأمريكتين ولكنه صراع مع “الجذور” التى تنتمى إليها تلك العصابات وهى الجذور التى تُشكَّل الوجه الحقيقى للصهيونية السياسية، وحيث تمتد هذه الجذور لتصل إلى جوهر الحضارة الغربية، إلى طبيعتها العنصرية تلك التى قامت عليها هذه الحضارة، وإلى الوجه العدائى الذى مَيَّزها فى نطاق تعاملها مع غيرها من الحضارات وتحديدا الحضارة العربية الإسلامية، وإلى الطبيعة الأنانية والفردية التى مَيَّزت نظرتها إلى الإنسان العربى الذي كان لديها دائما “متخلف” ودائما “مهزوم” ودائما “همجي” و”تابع غير متحضر” والذى فى حاجة إلى من يقوده ويؤكد لديه هذا الواقع، مع دائمية أن يظل فى إطار دور “التابع”. من هنا كان لا بد من زرع الكيان الصهيونى كامتداد لما يسمى “بالحضارة الغربية” وإن كان فى جانبها السييء.

لقد أدرك عبد الناصر هذه الحقيقة، وأدرك ما تعنيه من دلالات مهمة، تمثلت فى حتمية أن يظل الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب أحد طرفى الصراع، وفي عداء دائم للطرف الآخر (الطرف العربي) وإن ادعت غير ذلك، وهذا الغرب دائماً ما يقدم للطرف الأول (الكيان الصهيوني) ما يبقيه على قيد الحياة داخل جسد الطرف الثانى “الطرف العربي”، وهى الحقيقة التى لم يستطع أن يدركها اليوم (2018) أغلب النخب الحاكمة والمثقفة من أنصار التطبيع والسلام الزائف، وهذه الطبيعة الحضارية “الخاصة” للصراع تحددها الثورة حين تقول من خلال قائدها “إن إسرائيل تقوم فى خدمة الإمبريالية والاستعمار بدور “القاعدة” وبدور المخفر الأمامي، وبدور العازل الذى يحول دون وحدة الأمة العربية، ويهددها كلما تحركت، وبدور الإدارة التى تشتت تركيزها على المستقبل وتمتص طاقاتها بالاستنزاف أولا بأول، ولقد باعت الصهيونية نفسها للاستعمار الذى كان يسيطر على العالم العربي، وربما لم يكن الأمر يحتاج إلى وقفة جديدة فإن الصهيونية العنصرية بحكم طبيعتها الرجعية تقف منطقيا على الجانب المعادى للحرية”.

ويرى عبد الناصر أيضا “أن الاستعمار قد سلك فى سبيل ذلك كل الوسائل الخبيئة والخبيثة، فهو لم يكتف بأن يكون له عملاء يتسترون بالوجوه الوطنية ليكونوا أكثر فاعلية فى خدمته، وإنما أقام لنفسه بين الدول العربية دولة عميلة تتكلم باسمه، وتسير على نهجه وتكون رأس جسر لأغراضه، وحربة فى قلب قارتنا، تسعى للسيطرة بما تقدمه من قروض واستثمارات لتسيطر على اقتصادياتها بالاحتكارات الاستعمارية”.ويؤكد ما يعنيه أكثر حين يقول “حينما نعالج قضية فلسطين لا يمكن أن نتصور أننا نعالج قضية سهلة، إنها قضية إسرائيل ومن ورائها، وهى بوضوح أكثر قضية أمريكا”.

***

تلك هي المدركات الرئيسية لموقع فلسطين وقضية الصراع العربي الصهيوني عند جمال عبد الناصر وثورته، فالصراع لديه دائماً صراع مصيرى وقومى وحضارى ومن لا يفهمه على هذا النحو فإنه لا يستطيع أن يدرك طبيعة العدو الذى نحارب، ولا يستطيع أن يدرك صراعنا الطويل معه، ومن ثم لن يستطيع أن ينتصر عليه.

إن واقع (القضية الفلسطينية) اليوم، وبعد الاخفاق الكامل لسيناريو سلام التسويات البائسة، وبعد مائة عام على ميلاد عبد الناصر، وسبعين عاماً على نكبة فلسطين نحسبه، وبشكل قاطع، لن تستقيم استراتيجية مواجهته وفلسفة إدارته، دونما امتلاك، تلك المدركات الناصرية للصراع، مع التطوير الواجب لها في ضوء المتغيرات العالمية والعربية الجديدة، والتي نجدها كل يوم تؤكد أن هذا الصراع، صراع مصيري وقومي وحضاري، ونجدها تكرر وبشكل دائم المقولة الخالدة لجمال عبد الناصر والتي تتلخص فيها أدق وأعمق معاني هذا الصراع … وهى قوله: (إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة)، ويقول التاريخ لمن عاصره أو قرأه أن فلسطين أخذت بالقوة وبالحرب، وبالإرهاب؛ وهي لذلك لن تعود سوى بالقوة … ولكنها قوة الحق والمقاومة المشروعة !!.

E – mail : yafafr @ hotmail . com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.