الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

لقاء وفراق: قصة الإخوان مع الرؤساء

0 72

كتب :ثروت الخرباوي

نحن الآن فى زمن العجائب، ومن عجائب هذا الزمن تلك الجماعة الإخوانية التى جعلت من الدين مصيدة للدنيا، وجعلت من الأخلاق الحميدة مضيعة للوقت، وارتكبت الموبقات باسم الدين تحت عنوان عريض هو “الضرورات تبيح المحظورات” وتحالفت مع رؤساء ثم حاولت قتلهم وتحالفت مع رؤساء وقتلتهم ورفعت رؤساء إلى أعلى سماء ثم شتمتهم واتهمتهم، وكانت تفعل كل ذلك وهى تذرف الدموع. هم ألد الناس فى الخصام، يفجرون فيه ويتهمون الناس كلهم بالفجور فى الخصومة، ومن فجورهم ذلك التزوير الإجرامى للتاريخ، فعندما نقموا على مصطفى أتاتورك قالوا كذبا إن أمه يهودية، وعندما زادت خصومتهم مع جمال عبد الناصر قالوا كذبا وزورا إن أمه يهودية، وعندما فجروا فى خصومتهم مع السادات قالوا إنه بما أن والدة زوجته جيهان مسيحية إنجليزية لذلك فإن جيهان بالتبعية أصبحت مسيحية، ثم السادات بدوره سار وراء زوجته وأصبح مسيحيا قام بابا الكاثوليك بتعميده فى الفاتيكان، ونفس الأمر قالوه عن مبارك وزوجته سوزان، وكرروا نفس قصة التعميد الوهمية فى الفاتيكان بلا أى تغيير، ولكن الأهم من ذلك الفجور هو أنهم فى بداية عهد كل رئيس كانوا ينافقونه ويمتدحونه، ثم عندما ييأسون منه يأخذون فى تشويهه تاريخيا وسياسيا ويحشدون من أجل ذلك أكبر كم من الأكاذيب، يفعلون ذلك وكأنهم يتقربون لله بهذا الفجور.
لذلك فإننا يجب أن نبحث عن مؤرخٍ حديث لكى يمسك قلمه ويكتب لنا قصة الإخوان مع الرؤساء، من أول فؤاد الأول إلى فاروق ثم محمد نجيب وجمال عبد الناصر إلى محمد حسنى مبارك، إلى الرئيس عدلى منصور وصولا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولأننى أعرف قصتهم مع الرؤساء لذلك سأقوم بدور المؤرخ، وسأروى لكم فى الهلال بقلم

 

الحقيقة، وأول القول سيكون ملخصا لعلاقة الإخوان بالرئاسة فى كلمة أو فى كلمتين هما: “العلاقة تبدأ ناعمة رومانسية وتنتهى مأساوية” هذه علاقة بهذه المثابة لها خصوصية، وتاريخها طويل يبدأ من قبل الجمهورية، من أيام الملكية، ومن عهد الملك فؤاد الأول، ففى فترة حكم هذا الملك داعبوا مشاعره بحلم الخلافة، فتركيا نفضت يدها عن الخلافة، فكان أن قفز حسن البنا على الفور لكى يصنع حلما زائفا لفؤاد بأن يكون هو خليفة للمسلمين، وحينما أرسل حسن البنا خطابا للملك خاطبه بقوله: “إلى سدة صاحب الجلالة الملكية حامى حمى الدين، ونصير الإسلام والمسلمين، مليك مصر المفدى” ولأن فاروق هو خليفة والده فؤاد الأول لذلك كان يجب على الإخوان أن يغازلوه فى ذات الوقت الذى ينعون فيه والده فؤاد، فكتبوا فى مجلة الإخوان عنوانا عريضا بعد وفاة فؤاد هو “مات الملك عاش الملك” ثم استمروا فى غزلهم لذلك الصبى فاروق الذى أصبح ملكا، وكانت بداية الغزل هى نعيهم الباكى لأبيه حيث جاء فى النعي:”مصر تفتقد اليوم بدرها فى الليلة الظلماء، ولا تجد النور الذى اعتادت أن تجد الهدى على سناه فمن للفلاح والعامل، مَنْ للفقير يروى غلته ويشفى علته، ومَنْ للدين الحنيف يرد عنه البدع، ومَنْ للإسلام يعز شوكته ويعلى كلمته، ومن للشرق العربى يؤسس وحدته ويرفع رايته” وبهذه المثابة كان فؤاد فى رأى الإخوان نصير الفلاحين والعمال حامى حمى الدين رافع راية الإسلام!.
ثم دخلوا فى علاقة مباشرة مع الملك فاروق، واستقبلوه وهو عائد لوطنه وهم يرتدون ملابس الكشافة، ثم تجمع الإخوان عند بوابات قصر عابدين هاتفين للملك:”نهبك بيعتنا وولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله” وحين اختلف فاروق مع حكومة النحاس خرج الإخوان فى مظاهرات يهتفون هتافا صك أسماع الجميع هو “الله مع الملك” وتباهى الإخوان كثيراً بأن “جلالة الفاروق” خرج إلى شرفة القصر ست مرات ليحيى مظاهرتهم.

وتقول جريدة البلاغ عن تلك المظاهرة:”إن جلالة الملك كان بالغ السعادة بشعار الله مع الملك، وكان يردد نعم الله معنا” وكأن الإخوان أخذوا عهدا على الله أن يكون مع الملك لا لشيء إلا لأنهم أرادوا ذلك! وعندما وقفت القوى الوطنية فى مصر ضد حكومة إسماعيل صدقى إذا بالإخوان يتخذون خطاً وطنيا مخالفاً لإجماع الحركة الوطنية، فقاموا بتأييد صدقى وتأييد مشروعه “صدقى بيفن” لدرجة أنهم استقبلوه فى الجامعة وخطيبهم الطالب مصطفى مؤمن يقدمه للطلبة بالآية القرآنية :”واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا” ثم انقلبوا عليه بعد ذلك وشنوا عليه حملة شعواء لأنهم لم يحصلوا منه على أى مغنم، وفى خلال عام 1948 انقلب الإخوان على الملك فاروق وشنوا عليه حملاتهم، وعندما قُتل حسن البنا لم يكن أمامهم إلا أن يتهموا الملك بقتل مرشدهم، ومن أجل تلك الفرية زيفوا التاريخ وأطلقوا الأكاذيب التى يناقض بعضها بعضا!.
وقبل انتهاء العهد الملكى نشأت تحالفات بين الإخوان والضباط الأحرار، وبالذات مع جمال عبد الناصر، وقد حكى عبد الناصر قصته مع الإخوان فى خطبة له فى نوفمبر من عام 1964 حيث قال : “أنا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة فى البلد ، يعنى كنت أعرف الشيخ حسن البنا ، ولكن ماكنتش عضو فى الإخوان المسلمين .. كنت أعرف ناس فى الوفد وكنت أعرف ناس من الشيوعيين، وأنا أشتغل فى السياسة أيام ما كنت فى ثالثة ثانوى، وفى الثانوى اتحبست مرتين أول ما اشتركت فى مصر

الفتاة وده يمكن اللى دخلنى فى السياسة، وبعدين حصلت خلافات وسبت مصر الفتاة، ورحت انضميت للوفد، وبعدين دخلت الجيش . . . وبعدين ابتدينا نتصل فى الجيش بكل الحركات السياسية ولكن ماكناّش أبدا فى يوم من الإخوان المسلمين كأعضاء أبدا، ولكن الإخوان المسلمين حاولوا يستغلونا.
كانت هذه هى شهادة عبد الناصر حول علاقته بالإخوان وحسن البنا، هى علاقة صداقة مع المرشد الأول وتعاون أثناء قيام الثورة من خلال عبد المنعم عبد الرؤوف اليوزباشى الإخواني، إلا أن وجود المستشار حسن الهضيبى كمرشد بعد ذلك كان بمثابة علامة فارقة وافتراق إلى غير رجعة، فقد نظر الهضيبى إلى تنظيم الضباط الأحرار كتنظيم تابع للإخوان ينبغى أن يأتمر بأمره ويحقق رغباته، ورغم أن عبد الناصر بعد الثورة قام بزيارة قبر حسن البنا فى وجود قيادات الجماعة ، كما أن الجماعة نجت من قرار حل الأحزاب، إلا أن حسن الهضيبى لم يركن إلى هذه المواقف وأراد أن يستأثر بالثورة كلها وبالحكم، وصمم على أن يقوم الإخوان بتشكيل الوزارة وهو الأمر الذى رفضه عبد الناصر، وترتب على ذلك أن خرج الشيخ أحمد حسن الباقورى من الجماعة فى خلاف شهير، وقد أورد الباقورى بعد ذلك شهادته عن هذا الخلاف وتفصيلات رغبة الإخوان فى الاستئثار بالحكم وحدهم دون غيرهم، كما أورد فريد عبد الخالق القطب الإخوانى الكبير وصديق حسن البنا شهادته أيضا عن نفس الأمر عندما تحدث للتاريخ فى إحدى القنوات الفضائية وعاب على الهضيبى آنذاك ضيق أفقه السياسى ودوره الكبير فى إضرام نار الخلاف بين الإخوان والضباط الأحرار.
ثم كانت محاولة اغتيال الإخوان لجمال عبد الناصر فكانت هى النهاية المأساوية للعلاقة بينهما، ففى أكتوبر من عام 1954 وقع حادث المنشية الشهير، فذات يوم أضمر هنداوى دوير المحامى الإخوانى الذى كان ينتمى إلى منطقة إمبابة فى نفسه أمرا، واستعان بالقناص الإخوانى محمود عبد اللطيف، وجهزه بالسلاح، وخطط معه لاغتيال عبد الناصر، وحينما علم الهضيبى من رئيس النظام الخاص يوسف طلعت بخبر هذا الأمر الذى يزمع أفراد النظام الخاص تنفيذه ركن إلى السلبية وقال وفقا لشهادة ومذكرات القرضاوي: “لاشأن لى بهذا الأمر” وحين وصل الخبر إلى عبد العزيز كامل رئيس شعبة إمبابة وكانت تربطه صلات بعبد الناصر قام بتحذيره، ويبدو أن عبد الناصر رتب أموره ليفسد للإخوان خطتهم .
وفى مساء يوم 26 أكتوبر من عام 1954 وفى ميدان المنشية بالإسكندرية انطلقت رصاصة الإخوانى محمود عبد اللطيف فى اتجاه عبد الناصر وكانت رصاصة طائشة ضلت سبيلها ولكنها كانت هى رصاصة الرحمة التى قضت على علاقة عبد الناصر بالإخوان قضاءً مبرما، ومن الغريب أن بعد هذه المحاولة بسنوات طويلة وتحديدا عام 1977 أقام الإخوان دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى بطلب إلغاء قرار حل الجماعة، هى الدعوى رقم 133 لسنة 32 ق، وإذا بالإخوان يكتبون فى صحيفة الدعوى: “إن الإخوان هم الذين ساعدوا جمال عبد الناصر واتفقوا معه على تحويل الحكم من ديمقراطى إلى ديكتاتوري، وأن عبد الناصر لم يكن فى إمكانه أن يفعل ذلك فى مواجهة الأحزاب بغير الاستعانة بالقوة الجماهيرية للإخوان” وضع خطا تحت العبارة الفائتة !.
وجاء هادم اللذات ومفرق الجماعات، الموت الذى لابد وأن يصيب كل حي، ومات عبد الناصر عام 1970 ، وذهبت دولة الرئيس عبد الناصر كما تذهب كل الدول، وأصبحت فى ذمة التاريخ، وخرجت إلى الدنيا دولة الرئيس أنور السادات، وكما تعود الرؤساء فى بلادنا حين يبدءون فإنهم يبحثون عن الجماهير، ويبحثون عن راية لهم يرفعونها تختلف عن راية من سبقهم، ولأن السادات كان يبحث عن جمهور يقف معه ويؤيده ويقدم مشروعه للشعب، لذلك لم يكن أمامه إلا جماعة الإخوان التى كتبت على مقرها الافتراضى “تحت الطلب” فقد كان الإخوان فى السجون وقت أن تولى السادات حكم البلاد، وبعد مفاوضات مع حسن الهضيبى وعمر التلمسانى تم الإفراج عن الإخوان وفقا لجدول زمني، وكان الهضيبى أول من تم الإفراج عنه وتلاه التلمساني، وبدأت العلاقة الحميمة بينهما تأخذ مكانها فى التاريخ، كما أخذت تؤثر فى الجغرافيا، فقد أطلق السادات على دولته دولة العلم والإيمان ليعطى انطباعا سلبيا بأن دولة عبد الناصر كانت دولة الجهل والكفران، وفى دولة الإيمان التى يتولاها “الرئيس المؤمن” انطلقت جحافل الإخوان المؤمنين ضحية عبد الناصر إلى الجامعات والجوامع والجمعيات، وما كان السادات ليستطيع مواجهة الناصريين بغير الاستعانة بالقوة الجماهيرية للإخوان ـ وضع تحت العبارة السابقة خطا ـ فجذبت الجماعة المؤمنة عددا كبيرا من الشباب الذى كان يبحث عن شخصيته وهويته، وتحدثوا من فوق المنابر فكفَّروا عبد الناصر ودولته لأنه ولأنها اختلف واختلفت مع الإخوان وحبستهم وأعدمت بعضهم أثناء الصراع السياسى بينهما، وذهبوا إلى الجمعية الشرعية فأصبحت مثواهم حتى حين، ومن خلال مساجدها تحركوا فى كل ربوع مصر، كل ذلك كان قد تم بالاتفاق والسماح من الرئيس المؤمن أنور السادات، فهو يرغب فى هدم دولة عبد الناصر ليبنى دولته هو على أساس مختلف، وظل الود متصلا بين الإخوان

 

 

والسادات حيث عملوا معه تحت سياسة الضوء الأخضر، هو يسمح لهم بالعمل،وهم يصدرون مجلتهم “الدعوة” وكفى الله المؤمنين شر الأحزاب والجمعيات المشهرة، فحين طلب منهم السادات أن يُنشئوا حزبا اشترط عليهم أن يختاروا اسما آخرا غير إسم “الإخوان المسلمون” وأن لا يدخل فى الحزب كل أفراد النظام الخاص وعلى رأسهم مصطفى مشهور وأحمد حسنين وغيرهما، ولكن الإخوان رفضوا الشروط، بل إن قرارهم أيضا كان مبتنيا على سند من أن تغيير اسم الإخوان هو الموت ذاته، وقال وقتها مصطفى مشهور “ما كنا لنغير ما وضعه حسن البنا” .
وبعد زيارة السادات لإسرائيل وما تلى ذلك من توابع أهمها اتفاقية السلام تعكر الماء بين السادات والإخوان، فالإخوان تعاملوا مع السادات على أنهم أصحاب فضل عليه، فهم الذين مهدوا له الطريق وآزروه ووقفوا معه فى مواجهة رجال عبد الناصر ، فظنوا أنهم بذلك أمناء سر الحكم، وهذه الزيارة كانت صدمة والسادات صاحب سياسة الصدمات ما كان له أن يستأذن من أحد فى أمر أضمره فى نفسه حتى ولو كانوا أولى قربى، كما أنه كعبد الناصر لم يكن يعرف ما يسمى بالحوار والنقاش والأخذ والرد، ومن تاريخ هذه الزيارة أخذت العلاقة الرومانسية الحميمة تتحول إلى عداء وترويع، فهم يناصبونه العداء وهو يروعهم فى خطبه، وأخذ التلاسن العلنى بين الطرفين يزداد حتى قال البعض تهكما “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما” ولكن جمرة الخلافات اشتعلت وتمادت فكانت الخاتمة يوم أن أصدر السادات قرارات اعتقالات سبتمبر والتى أخذ فيها من كل قبيلة رجالا، وكان من قبيلة الإخوان العدد الأكبر من المعتقلين .وذات يوم ثارت الحركة الإسلامية المسلحة “الجهاد” التابعة للتنظيم السرى للإخوان فاغتالت السادات بين جنوده، وحين كان الجالسون فى المنصة يظنون أن اللحظات التى تمر بهم سرمدية لا نهاية لها كانت أفواه الإخوان ـ وغيرهم ـ فى السجون تُكبر لله … الله أكبر .. لأن من حبسهم أخذه الموت الذى يأخذ كل حى .
وذهبت دولة السادات وجاءت الدولة الفرعونية المباركية، وكان الرجل فى عهده الأول يسمع كلام المستشارين الحاذقين، فأطلق سراح المعتقلين واستقبلهم فى قصر الرئاسة، ثم مد يده للإخوان كى يكونوا معه، يساعدونه ويشدون من أزره، والرئيس الجديد يرغب فى اكتساب شعبية كبيرة بعد أن ظهر للناس أثناء فترة وجوده كنائب للرئيس أنه على “قد حاله” محدود القدرات ضعيف التاثير، فظن الإخوان أنه غنيمة فوقفوا معه وساعدوه فى مواجهة تنظيمات الجهاد والجماعة الإسلامية ـ التابعة فى حقيقة الأمر لتنظيمهم الخاص ـ ثم كان على مبارك أثناء ذلك وبعده أن يستعين بالقوة الجماهيرية للإخوان “وضع تحت العبارة السابقة سطرا” وظلت العلاقة بينهما فى السنوات العشر الأوائل كالسمن على العسل، حتى أن الإخوان ذهبوا فى مجلس الشعب عام 1987 مع كبيرهم البرلمانى مأمون الهضيبى ليبايعوا مبارك على ولاية ثانية، وهو الأمر الذى أغضب الشيخ الإخوانى عبد الستار فتح الله وجعله يستقيل من مكتب الإرشاد، وكانت اللقاءات الإخوانية مع النظام المباركى مستمرة ولذيذة مثل طعامة القشدة على العسل،

فى هذه الفترة كان الدكتور رفعت المحجوب هو بوابة الاتفاقات الإخوانية المباركية، وكان هو من اتفق مع مأمون الهضيبى على أن يبايع الإخوان مبارك، وفى هذه الفترة أيضا كانت اللقاءات المتعددة بين زكريا عزمى وقيادات الإخوان فى قصر عابدين والتى كان يتم الاتفاق فيها على ما يبهج خاطر مبارك ورجاله، وكانت مكافآت الدولة المباركية للإخوان ليس لها حصر فقد سمحوا لهم “بسياسة الضوء الأخضر” الدخول للبرلمان، والكتابة
فى الصحف، واعتلاء المنابر، ودخول النقابات المهنية لأول مرة فى تاريخ الجماعة، وتركوا لهم حرية التحالف مع الوفد تارة، ومع حزبى العمل والأحرار تارة أخرى، وحدث ولا حرج عن زيارة سوزان مبارك لشركات خيرت الشاطر وحسن مالك وقيامهما بالتصوير معها، لتنشر الصحف صورها أثناء الزيارة بما يؤكد على حميمية العلاقات، والذى لم يكتبه أحد بعد هو أن مبارك كان على صلة وثيقة بالمرشد الرابع حامد أبو النصر، مرشد هذه الفترة، بل إن اختياره مرشدا كان مرضيا عنه من نظام مبارك وقياداته الأمنية، ولم تتهاو العلاقة بين الإخوان ومبارك إلا بعد أن هرِم المرشد أبو النصر وأصبح عاجزا عن إدارة شئون الجماعة، وتركه الحبل على الغارب لنائبه مصطفى مشهور يدير الجماعة كما يشاء، ويضع فيها أفكاره التى تلقها من عبد الرحمن السندى صاحب التنظيم الخاص للجماعة، ومن خلال سيطرة مصطفى مشهور التى ظهرت للكافة قام مبارك عام 1992 بشد أذن الإخوان شدا خفيفا حينما تم حبس خيرت الشاطر وحسن مالك عدة أشهر على ذمة قضية “سلسبيل” التى كشفت مصائب كانت الجماعة تخفيها، وفى نهاية عهد حامد أبو النصر أرسل مبارك للإخوان إنذارا شديد اللهجة حينما قامت النيابة العامة باستدعاء المرشد حامد أبو النصر لسؤاله عن بعض المنشورات التى كان بعض شباب الإخوان يوزعونها، وانتهى الأمر على سلام إلا أن الإخوان لم يستوعبوا الرسالة فتم القبض على مجموعة كبيرة منهم عامى 1995 ، 1996، وإحالتهم للمحاكمة العسكرية ، وأخذت العلاقة بين الطرفين منحى شديد الوعورة إلا أن الإخوان ظلوا يحاولون التقرب من مبارك بشتى الطرق، ولكن الرجل صنع لهم أذنا من طين وأخرى من عجين، والمدهش أنه كان يستعملهم فى الوقت الذى يريده وبالطريقة التى يريدها.
ولأن الإخوان إذا شبعوا اطمئنوا، وإذا جاعوا أنّوا فقد عاشوا مع مبارك فى فترة المرشد مصطفى مشهور بين الجوع والشبع، الاطمئنان والأنين، يكتب المرشد مصطفى مشهور مقالة فى جريدة الشعب عام 2000 يحيى فيها “موقف مبارك الوطني” من ضرب محطة الكهرباء بلبنان، فيرسل له مبارك زكريا عزمى مبعوثا ليطلب منه دخول الإخوان الانتخابات البرلمانية، وأنه سيسمح لهم بنجاح عدد معقول فيها، على أن ينسوا قضية النقابات المهنية التى كان متهما فيها المرشد الحالى محمد بديع، ويأتى ملك الموت ومفرق الجماعات ـ إلا جماعة الإخوان ـ فيقبض روح المرشد مصطفى مشهور، ويأتى المرشد مأمون الهضيبى الذى لم يلبث فى الإرشادية كثيرا ويأتى من بعده المرشد مهدى عاكف الذى تم الاتفاق معه على صفقة عام 2005 وهى الصفقة التى أسفرت عن صدور بيان من الجماعة تدعو فيه الجماهير إلى عدم مقاطعة انتخابات الرئاسة حتى يكون المسلم إيجابيا، وكان أن دخل الإخوان بعد ذلك إلى عضوية البرلمان فرادى وجماعات، وهو الأمر الذى يحتاج إلى تحليل مستقل. وفى أواخر عهد مبارك ظل مرشدهم بديع على

سياسة الغزل العفيف لمبارك حتى قبيل الثورة، فكلنا يذكر يوم أن قال المرشد “مبارك أبو المصريين ونحن من أبنائه ونتمنى أن نجلس معه” ولكن ذهبت دولة مبارك كما تذهب كل الدول .
وحينما وصل الإخوان لحكم البلاد كان اليقين عندى أنهم سيغادرون سريعا، فلم يكونوا فى أى وقت من الأوقات من رجال الدولة، وليست لديهم إلا قدرة واحدة فقط هى قدرة إدارة التنظيم، والدولة غير التنظيم ولكنهم كانوا قوما يجهلون، وحينما وقع اختيارهم على الفريق عبد الفتاح السيسى لكى يكون وزيرا للدفاع امتدحوه وقالوا عنه إنه أفضل أهل الأمة كلها، وظلوا يمتدحونه ويسبغون عليه كل صفات الفضل، ولأنهم أساتذة فى الفجور فى الخصومة واللدد فيها، لذلك حينما وقف السيسى مع الشعب فى ثورته عليهم ناصبوه العداء، ووجهوا له كل الاتهامات، وشنوا عليه حملة تشويه تاريخية لا مثيل لها، ولم يقفوا عند هذا الحد بل حاولوا اغتياله أكثر من مرة وأخزاهم الله، والآن يريدون تحطيم مصر كلها، ألم أقل لكم إنهم إخوان الشياطين؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.