الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

لماذا تحمس عبد الناصر للقطاع العام

0 68

كتب :هشام قاسم

عندما تقرأ ملفات أوراق جمال عبد الناصر الخاصة التي قامت بجمعها و ترتيبها و التعقيب عليها دكتورة هدى عبد الناصر تعيش في عالم مختلف و أشخاص مختلفين و تفكير مختلف عندما كان السعي نحو الحرية و الاستقلال هو هدف كثير من دول العالم الثالث التي استطاعت الحصول على انسحاب قوات الاستعمار من أراضيها خاصة بعد أن نجحت مصر في تأميم قناة السويس و فشل العدوان الثلاثي عليها . كان الإصرار على استكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي الذي لا يكتمل إلا به بعيدا عن تدخلات صندوق النقد الدولي و ضغوط الدول الغربية . من هناك كان تفكير عبد الناصر مختلفا باختلاف العصر الذي كان يحيا فيه ، و رأى أنه لا يستطيع التنمية إلا بوجود قطاع عام قوي يقودها . لماذا وصل عبد الناصر إلى تلك القناعة ؟ . بالعودة إلى الجزء الرابع من أوراقه الخاصة الصادر عن مكتبة الأسرة – الذي يشمل فترة الوحدة المصرية السورية ، و التي ظهر في نهايتها عام 1961 قوانين يوليو الاشتراكية – نكتشف طريقة تفكيره الاقتصادية ، و المبررات التي جعلته يتخذ تلك الوجهة :

– ” دور القطاع العام ريادي في التنمية إذا أردنا أن نسرع في التنمية لأنها في الوقت الذي تُركت فيه للأفراد لم تكن تحقق بأي حال الأهداف التي تريد تحقيقها في عشر سنوات في وقت لا يقل عن خمسين أو ستين عاما , لذلك إذا حددنا هدفنا بمضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات لابد أن يكون للقطاع العام الدور الأساسي و بدونه لن يمكن تنفيذ هذا الهدف ” . إذا عدنا إلى التجارب التاريخية التي خاضتها مصر تؤكد صواب تلك الرؤية فمحمد علي استطاع أن ينهض بالتصنيع في النصف الأول من القرن التاسع عشر بعد أن احتكرت الدولة التنمية الصناعية و الزراعية و قفز الدخل القومي – كما جاء في كتاب صبحي وحيدة ” في أصول المسألة المصرية ” –  من 11305 في بداية هذا القرن إلى ما يقرب من 2 مليون عام 1821 إلى 3 مليون و 64300 عام 1826 .. أي زيادة بقدر 278 مرة ، و قد قضي على نهضته سنة 1838 بسبب الاتفاق التجاري الإنجليزي التركي في إلغاء نظام الاحتكار في أنحاء الإمبراطورية العثمانية و إلزامها محمد علي – و هو بالطبع المقصود من هذا القرار – بالعدول عن نظامه هذا و قفل مصانعه الواحد بعد الأخر ”  كتاب صبحي وحيدة ص 150 “. يذكرنا هذا ما حدث لتجربة عبد الناصر نفسه قفلت مصانعه الواحد تلو الأخر تحت مسمى سياسة الخصخصة .

–  هدف أخر لا يمكن تحقيقه إلا مع القطاع العام كما يرى عبد الناصر من واقع أوراقه :” من أهداف مجتمعنا إعطاء حق العمل لكل فرد و توزيع الثروة القومية بما يتمشى مع الصالح العام للمجتمع و على هذا يجب أن تكون خطتنا الاقتصادية لا ينتج عن تنفيذها تركيز الثروة و الدخل في أيدي قليلة .. لكن تتجه إلى توزيع الثروة و الدخل على أكبر عدد من المواطنين . لذلك لا يجب أن يزيد صافي الدخل الأكبر في أي شركة عن ثلاثة ألاف جنيه و لا تمنح مرتبات إضافية ، و لا يزيد ما يتقاضاه أي فرد من عمل أو أعمال عن خمسة ألاف جنيه في العام ” و قد استطاع عبد الناصر أن يلزم المجتمع و نفسه بهذا الحد ، و نحن ما زلنا عاجزين عن تطبيق الحد الأقصى الشهري الضخم على جميع مؤسسات الدولة حتى الآن .

– يدرك عبد الناصر أنه قد ينشأ تعارض ما بين الهدف الاقتصادي الذي يبغي تحقيق أعلى ربح و الاجتماعي للتنمية ” في المراحل الأولى للخطة قد يكون هناك تناقض بين أهداف الخطة الاقتصادية و الاجتماعية . إن هدف تحقيق عدالة اجتماعية و مساواة اقتصادية و زيادة فرص العمل قد يتناقض مع مطالب الإنتاج لذلك يجب دائما الموازنة بين هذه الأهداف ، و التوازن قد يختلف أو يتغير تبعا للاحتياجات و الظروف الاقتصادية ” . من هذه الأهداف التي تتعارض مع مصلحة جني أكبر عائد من العمل تحديد عدد ساعاته التي حسبها عبد الناصر ” إذا كانت سبعة بدلا من ثمانية ستحتاج إلى سدس العمال و ستزيد الأجور بقيمة السدس أيضا ، و إذا كانت ست سنحتاج إلى ثلث العمالة و زيادة الأجور بنفس النسبة ” .

– من الأهداف التي يجب أن يقوم بها القطاع العام و من الصعب أن يقوم بها غيره ” أن تبني كل المصانع مساكن لعمالها و موظفيها ، و نشر الوعي الطبقي بتعريف الطبقة العاملة أن المجتمع ينقسم إلى طبقتين رأسمالية و عاملة ”

 

– من أهداف القطاع العام إقامة صناعة الآلات ” و ذلك لصناعة آلات الورش الكبيرة و التعدين و الجرارات و الطائرات هذه الصناعة تمثل تطورا جديدا للصناعة الثقيلة في مصر حتى إذا تم تنفيذها خطوة .. خطوة سوف تغير وجه اقتصادنا القومي “.

– كذلك تحدث عبد الناصر في أوراق عن دور القطاع العام في الاستيراد ” يجب أن يخضع كلية لشركات أو مؤسسات ملك الدولة فالأرباح التي تحقق من الاستيراد ليست إلا وسيلة من وسائل استغلال رأس المال إذ أن المستورد يبيع السلعة أغلى مما استوردها به ، و هناك من المستوردين من حققوا أرباحا خيالية في سنة واحدة و ذلك لأنهم احتكروا استيراد سلع معينة من دول معينة “. و كأن عبد الناصر يحذرنا اليوم من مخاطر احتكار بعض المستوردين لكثير من السلع مما يؤثر على سعرها و تكرار حدوث نواقص أو اختفاء سلع حيوية .

لكن هل عبد الناصر ينكر أي دور للقطاع الخاص  “المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني الذي نسعى إليه لا يعني أن يكون كل النشاط الاقتصادي مقتصرا على الدولة بل أن الاستثمار الخاص له دور هام في التنمية القومية . يعمل بلا احتكار لا إفساد لا استغلال يقبل العمل في حدود الخطة و لتحقيق أهدافها متعاونا مع القطاع العام من أجل المنفعة العامة . عند الكلام على القطاع الخاص يجب أن لا نضع في اعتبارنا فقط المؤسسات الكبرى بل نضع أساسا في اعتبارنا ملايين الفلاحين .. التجار .. الصناعات الصغيرة و الحرف فإن هذه المجموعة تمثل الجزء الكبير من القطاع الخاص “. بل عبد الناصر فكر في خصخصة بعض الشركات ببيع بعض الأسهم 40% بحيث تستخدم الحصيلة في الصناعات الجديدة . لكنه لا يقبل سيطرة رأسمال على الحكم ” المذكرات التي قدمت من القطاع الخاص إلى لجنة التخطيط دليل على محاولات سيطرة رأسمال على الحكم و توجيهه وفقا لرغبة الرأسماليين . إن تكرار الحكومة في بياناتها ما يظهر استجداء رأسمال الخاص على الاشتراك في الخطة أمر لا أقره و لا أقبله” .

لكن هل نجح القطاع العام في تحقيق الأهداف التي حلم عبد الناصر بتحقيقها ؟ . بالعودة إلى الدراسة التي قام بها الاقتصادي الروسي لوتسكيفتش ” زاد الدخل القومي في نهاية الخطة الخميسية 60-65  بنسبة 39.7 و حققت الخطة 97% من أهدافها ، و ارتفع قيمة الإنتاج الصافي من 661 مليون عام 60 إلى 1144 مليون عام 65 ثم 1634 عام 1970 أي بعد الهزيمة و مصر تخوض الحرب ، و معدل نمو في الإنتاج الصناعي 7% عام 68 9.2% عام 69 و 8.2 % عام 70 . بذلك حققت خطة التنمية الوحيدة التي قامت بها مصر من 60- 65 معدل نمو من أعلى معدلات النمو في العالم الثالث بلغ 6.5بالمائة و يقترب من معدل النمو للتنين الصيني الحالي .. و بعيدا عن الأرقام كلنا يذكر كان الشعب يلبس ملابس مصرية ، و يستخدم ثلاجة و يشاهد تليفزيون مصري و يركب سيارة مصرية و لا يعاني من البطالة .

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.