الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

مقهى موتسارت

0 141

كتب : حازم العبيدى

اتقاس مكانة الأمم، وتقدر قيمة الشعوب، بما تسهم به في التاريخ الإنساني، وبما تشارك فيه من رقي للنفس البشرية، وما تمنحه للعالم من آثار خالدة، تظل مضرب المثل في الإبداع. وذلك لا يتأتى إلا من خلال ما تنجبه الأمم من عباقرة في شتى المجالات،

وما يتركه هؤلاء الموهوبون من آثار تظل باقية على مر الزمان، لأنها صدرت عن مبدع مطبوع منحه الله سبحانه وتعالى سر من أسراره العظيمة.
تحتفي الأمم والشعوب احتفاء كبيرا بمواهبها، فهي التي تقدمها للشعوب الأخرى، وهي التي تجعل بلادهم مقصدا للزيارة، حيث يسعى الناس للتعرف على هذه المواهب، والاقتراب من عوالمها، ومشاهدة آثارها، ودراسة ما خلفته من إنتاج. وتستثمر الأمم والشعوب مواهبها وعباقرتها استثمارات متنوعة، فهي القوى الناعمة التي تستطيع أن تعكس صورة راقية عن شعب من الشعوب أو أمة من الأمم أو دولة من الدول أو جماعة بشرية، فتحرص الدول أن تعرض آثارها – إنتاج هؤلاء العباقرة – في المعارض المختلفة، وتحرص على أن تقدمها في المحافل الخاصة بكل فرع من فروع المعرفة الإنسانية. ويظهر رقي شعب من الشعوب في مدى ما يمنحه لنوابغه من قيمة، وما تمتلك هذه النوابغ من مكانة في نفوس أبنائه، وما تضمنه كتبها ووسائلها الإعلامية عن هؤلاء الذين أثروا حياتها وأضافوا للحضارة البشرية من تجاربهم الحياتية والفنية.
ذلك الذي نجده يسير على قدمين في الشعوب التي قطعت في الرقي الإنساني شوطا هاما، ومنها الشعب النمساوي الذي يعلي من قيم قممه في كافة المجالات ومبدعيه في كافة حقول الإبداع، والذي ساهموا بقوة في رقي الحضارة الإنسانية، وتركوا آثارا خالدة لا يمكن أن يتخطاها من يقيِّمون تلك الآثار الإنسانية. ليس الموسيقي البارع موتسارت وحيدا من بين الذين يهتم الشعب النمساوي والدولة كذلك بهم، ففولفغانغ أماديوس موتسارت ذلك الموسيقي الفذ الذي يعد أحد أعظم الموسيقيين على الإطلاق والتي تفتقت موهبة منذ نعومة أظافره، حيث قاد أوركسترا وهو في السابعة، والذي لم تطل حياته أكثر من خمس وثلاثين عاما (27 يناير 1756 – 5 ديسمبر 1791) نجح خلالها ذلك العبقري الفذ في إنتاج 626 عمل موسيقي، تجد اهتماما كبيرا به، على مستوى الدولة النمساوية، ولكن مظاهر ذلك الاهتمام تتجلى في مسقط رأس العبقري الموسيقي الظاهرة. فلا تكاد تجد مكانا في مدينة سالزبورج النمساوية – مسقط رأس موتسارت – إلا وفيه شيء عنه، فذلك الفذ الذي دفن بإحدى ضواحي العاصمة النمساوية فيينا، في مقبرة سانت ماركس والذي لم يحضر جنازته سوى خمسة أشخاص فقط، ليس من بينهم زوجته لأن الجو كان شديد البرودة، أصبحت موسيقاه وصوره – بعد عدة قرون – تزين شوارع مدينة سالزبورج، وتناولت حياته الأعمال الفنية ففي عام 1984 انتج فيلم عن حياة موتسارت وفيه يدعم الإشاعات التي تقول أن المؤلف أنطونيو ساليري الذي كان يحقد عليه كان سببا في موت موتسارت، قام الممثل Tom Hulce بدور موتسارت، والممثل F. Murray Abraham بدور ساليري، ورشح الفيلم لـ53 جائزة وفاز بـ40 منها، منها ثماني جوائز أوسكار. كما أصبح منزل موتسارت الذي ولد فيه مزارا يحرص كل من يزور مدينة سالزبورج النمساوية من إلقاء نظرة عليه، كما فعلنا في زيارتنا للمدينة، فكيف نكون في المدينة التي ولد فيها العبقري الموسيقي، ولا نلقي نظرة على المنزل الذي شهد ميلاده، ولم يفت المحتفون بموتسارت أن يستفيدوا اقتصاديا من كل شيء يخص الرجل، فها هي المقهى التي كان يجلس عليها موتسارت تحمل اسمه، ولأنها مقهى موتسارت فلقد كانت اختيارنا، كما هي اختيار كل الزائرين للمدينة – لنحتسي عليها فنجان القهوة، الذي يزيد ثمنه على نظيره في أي مقهى آخر بمقدار واحد يورو، لا يجد الزائر غضاضة في نفسه منحها عن طيب خاطر لأنه يجلس في رحاب “فلتة” الموسيقى العالمية فولفجانج أماديوس موتسارت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.