الهلال..125 عاما من الثقافة والتنوير

ناصر ومسرح الثورة

0 125

كتب :د.عمرو دوارة

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي توقفت دوراته خلال الفترة من 2010 – 2015، وعندما استؤنفت افتقدت بريقها كما افتقدت أهم إنجازاتها وهي مجموعة الترجمات لأحدث الإصدارات المسرحية

– المهرجان “القومي للمسرح المصري توقفت دوراته خلال الفترة من 2011 – 2014، وأفقدته الدورة الأخيرة هويته حينما حاول رئيسها أن يحوله إلى مهرجان عربي

تعددت وتنوعت المهرجانات المسرحية العربية وتباينت أهدافها وافتقدت التنسيق فيما بينها.. وأهمية أي مهرجان تحددها فلسفة تأسيسه واستمرارية المحافظة على أهدافه

 خلال السنوات الماضية – وبالتحديد مع بدايات الألفية الجديدة – تعاظمت ظاهرة تنظيم المهرجانات المسرحية العربية وتنوعت أشكالها وتباينت أهدافها،حتى أن الباحث المسرحي يستطيع أن يرصد بسهولة نماذج وتفاصيل كثيرة لتلك الظاهرة الجديدة التي سرعان ما انتشرت بمختلف الأقطار العربية.

والحقيقة التي يجب تسجيلها في البداية هي أن بعض المهرجانات المحلية أو الوطنية التي تنظم ببعض الدول العربية الشقيقة قد تكون أكثر أهمية من تلك المهرجانات الدولية التي تنظم بها، ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك مهرجانات: المسرح الوطني بالجزائر (خاصة ببعض دوراته العربية التي تأسست عام 2007)، مسرح دول الخليج العربي وكذلك أيام الشارقة المسرحية، المسرح العماني بسلطنة عمان، مهرجان “البقعة” بالسودان، ومهرجان المسرح الحر بالأردن، وأيضا مهرجاني مسرح الشباب والمسرح الأكاديمي بالكويت (بدورته العربية التي تأسست عام 2013).

ويجب التنويه في هذا الصدد بأن أهمية كل مهرجان لا تتحدد فقط عن طريق ضخامة الميزانيات المخصصة لتنظيمه أو إلى كثرة عدد الدول المشاركة بفعاليات بعض دوراته، بل يعود بالدرجة الأولى إلى وضوح فلسفة تأسيسه والمحافظةعلى أهداف تنظيمه، وقدرة لجنته المنظمة على تحقيق الاستمرارية وتحقيق أهدافه بدقة، وكذلك بمدى نجاحها في اختيار أهم الفرق وأفضل العروض المشاركة وبقدرتها على اجتذاب أهم المبدعين في مجال الفنون المسرحية للمشاركة بالفعاليات المختلفة.

وجدير بالذكر أن أول مهرجان مسرحي عربي قد تم تنظيمه هو مهرجان “دمشق المسرحي الدولي” عام 1969، وذلك بمبادرة من “اتحاد الفنانين العرب”، وكان المهرجان الثاني هو مهرجان “قرطاج الدولي” بتونس عام 1983، ومن بعدهما تم تنظيم عدة مهرجانات عربية ودولية ولعل من أهمها: “بغداد المسرحي”  1986 بالعراق (الذي للأسف تعثرت وتوقفت دوراته)، “القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” بمصر عام 1988 (والذي توقف خمس سنوات قبل استئناف دوراته في 2016)، “المسرح العربي” بالقاهرة مع بداية الألفية الجديدة (2001)، “الفجيرة الدولي للمونودراما” بالإمارات المتحدة 2003.

ونظرا لانتشار ظاهرة تعدد وكثرة المهرجانات المسرحية العربية، وتداخل مواعيد تنظيم أغلبها، بالإضافة إلى ذلك التباين الشديد في مستوى تنظيمها يكون من المفيد أن أقوم باستعراض أنشطة وفعاليات بعض النماذج المتميزة للمهرجانات التي شرفت بالمشاركة بفعالياتها خلال عام 2017 باعتبارها نماذج يفضل أن تحتذى سواء على مستوى التنظيم نظرا لاستمرارية وانتظام دوراتها مع تكامل فعالياتها وارتقاء وتميز مستوى العروض المشاركة بها.

 أولا: المهرجان التاسع للمسرح العربي بالجزائر

يعد مهرجان “المسرح العربي”- الذي تنظمه “الهيئة العربية للمسرح” برعاية الشيخ الدكتور/ سلطان القاسمي (حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى للاتحاد) بإحدى الدول العربية سنويا – من أهم وأضخم المهرجانات المسرحية العربية، وقد نظمت هذا العام دورته التاسعة بالجزائر تحت عنوان دورة “عز الدين مجوبي”، وهي دورة استثنائية وتعد انطلاقة حقيقية بل ووثبة لآفاق جديدة، حيث تعددت وتكاملت الأنشطة والفعاليات ونجحت في تحقيق أهدافها، وقد أقيمت الفعاليات الرئيسة خلال الفترة من العاشر من يناير وحتى التاسع عشر بكل من مدينتي “وهران” و”مستغانم”.

انطلقت فعاليات المهرجان برعاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،   وبحضور وزير ثقافة الجزائر الأديب/ عز الدين ميهوبي وعدد كبير من الفنانين والمبدعين من مختلف الأقطار العربية، وتضمنت عددا كبيرا من العروض المسرحية.

وتضمنت الفعاليات مجموعة من الندوات الفكرية المهمة، فبخلاف ندوات النقد التطبيقي التي نظمت مباشرة عقب انتهاء كل عرض من عروض المسابقة الرسمية بمسرح الشهيد/ عبد القادر علولة تم تنظيم مجموعة من الندوات الفكرية بهدف تجديد روح البحث العلمي والخطاب الفكري والانطلاق إلى آفاق جديدة، ومن بينها أربع ندوات محكمة،خصصت الأولى لتسمية أفضل ثلاثة من المتنافسين في مسابقة البحث العلمي المسرحي، والثانية لتحديد ترتيب أفضل ثلاثة من المؤلفين المتسابقين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للكبار، والثالثة: لتحديد أفضل المؤلفين المتسابقين في مسابقة تأليف النص المسرحي الموجه للطفل، أما الندوة الرابعة فكانت الحلقة الثانية التي تهدف إلى حسم الأمر في المناظرة العلمية التي بدأت عام 2014 (في الدورة السادسة) حول “ريادة النص العربي بين كل من “مارون النقاش” و”إبراهام دانينوس”.

وبخلاف كل ماسبق تضمنت فعاليات الدورة أيضا تنظيم أكثر من معرض من أهمها معرض الصور والذي تضمن صورا لرواد وعمالقة المسرح الجزائري، وكذلك تنظيم عشر ورشات تكوينية قام بإدارتها والتدريب فيها نخبة من كبار المتخصصين.

ثانيا: الدورة الثلاثين لمهرجان “علي بن عياد” بتونس

تأسس هذا المهرجان العريق بعد وفاة الفنان/ علي بن عياد اعترافا بفضله وكمحاولة لإحياء ذكراه، وقد شهدت هذه الدورة اهتماما كبيرا بالمؤلف المسرحي، بمناسبة الاحتفاء بذكرى مرور أربعة قرون (400 عام) على وفاة الكاتب العالمي/ وليم شكسبير، في حين اتسمت الدورة الثلاثين بالبعد المحلي فقط، وذلك باستثناء مشاركة عربية واحدة تمثلت في شرف مشاركتي بكل من الندوتين الرئيسيتين ومشاركة عالمية واحدة تمثلت في مشاركة الفنان العالمي الأمريكي/ ستيفن ريتز بار المتخصص في صناعة الأفلام السينمائية التي تعتمد على شخصيات من العرائس الصغيرة.

وقد اختير الكاتب التونسي الكبير/ عز الدين مدني رئيسا شرفيا لهذه الدورة، كما تحمل مسئولية رئاستها الفنان المسرحي/ محسن الأدب، وهو أحد مبدعي جيل الوسط بالمسرح التونسي، ومن المخرجين المسرحيين المتميزين الذين انحازوا لثورة الياسمين، والحقيقة أنه قد استطاع إدارة هذه الدورة بحنكة وحكمة بالرغم من نقص الاعتمادات المالية وأيضا ضيق الوقت، فسعى جاهدا إلى تحقيق الاستمرارية وتكامل الدورات، واضطر إلى التضحية بالمشاركات العربية والدولية بالمهرجان في سبيل تحقيق التميز الحقيقي في مجال إعادة تنشيط البنية الأساسية والاهتمام بالتدريب والتكوين لشباب ونشء المسرح التونسي. وهذا المهرجان – ومن خلال رصدي الدقيق لفعالياته المختلفة – قد تميز بأصالته ومنجزه الحقيقي، خاصة وأنه ربما يفوق في تأثيره ومكتسباته كثيرا من المهرجانات الدولية، حيث يمتد تأثيره الفعلي إلى خارج الأبنية المغلقة والقاعات المسرحية التقليدية، فهو مهرجان معني بالدرجة الأولى بالتوجه للجمهور في كل مكان وخاصة تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وأيضا جمهور المقاهي ورجل الشارع بالميادين والشواطئ، وحقيقة لم أشهد مثله في تنوع وثراء فعالياته سوى مهرجان “توياما العالمي لمسارح الأطفال” (والذي تتحول فيه مدينة “توياما” اليابانية كلها إلى عرس مسرحي).

ثالثا: المهرجان الخمسون لمسرح الهواة بمستغانم

يعتبر المهرجان الوطني لمسرح الهواة لمدينة “مستغانم” من أعرق التظاهرات الثقافية على كل من المستويين الإفريقي والعربي، حيث احتفل المهرجان هذا العام بدورته الخمسين وبالتالي لا يسبقه عالميا سوى مهرجان “أفنيون”. والحقيقة أن ظهوره لأول مرة في خريف عام 1967 على يد المسرحي القدير الراحل/ الجيلالي بن عبد الحليم قد شكل وثبة كبيرة في مجال الخريطة الثقافية للجزائر المستقلة من خلال بروز منبر للتعبير الفني الحر بفضل نخبة من الوطنيين الذين تشبعوا بمفاهيم الحركة الوطنية السائدة في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، وبالتالي فإن هذه التظاهرة الفنية تتميز في واقع الحال بكونها نابعة من الأوساط الشعبية التي ساندت واحتضنت المهرجان مند دوراته الأولى بعيدا عن الإطار الإداري والسياسي.

انطلقت فعاليات الدورة الخمسين للمهرجان خلال الفترة من الخميس 13 يوليو إلى الأربعاء 19 يوليو، وذلك بمشاركة سبعين عملا مسرحيا من الجزائر، ومن بينها عشر مسرحيات تتنافس على جائزة “الكاكي الذهبي” التي يمنحها المهرجان، وذلك إلى جانب مشاركة بعض الفرق المسرحية والمهتمين بالمسرح من تونس وفرنسا وإسبانيا.وبخلاف مجموعة العروض المسرحية المشاركة بالمهرجان تضمنت فعالياته عدة أنشطة أخرى من أهمها:افتتاح المسرح الجهوي لمستغانم “مسرح “سي جيلالی بن عبد الحليم” (وهو أول مسرح يشيد بعد الاستقلال على المستوى الوطني)، تنظيم أربع ورش مسرحية لصقل مواهب هواة،وتنظيم ملتقى على مدار يومين بعنوان “كيف نقرأ كاكي؟” وتنظيم ندوة تحت عنوان: “مسار وإسهامات مهرجان مسرح الهواة في الحركة المسرحية الجزائرية”، وذلك بخلاف عقد مجموعة ندوات لاستعراض تجارب مسارح الهواة ببعض الدول العربية والأجنبية بمشاركة نخبة من المسرحيين العرب والأوروبيين.

رابعًا: مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي

ضمن احتفالية دولة “الكويت” باختيارها عاصمة الشباب العربي عام2017 تم انطلاق فعاليات مهرجان “الكويت لمسرح الشباب العربي”، والذي قامت بتنظيمه الهيئة العامة للشباب خلال الفترة من 15 إلى 26 أكتوبر بمشاركة إحدى عشرة دولة عربية. ونظرا لكثرة عدد العروض المشاركة فقد تقرر تنظيم الفعاليات على عدة فضاءات مسرحية (مسرح عبدالحسين عبد الرضا، مسرح كيفان، مسرح الدسمة ومسرح الشامية).

 

وقد تضمنت فعاليات المهرجان أربعة أنشطة متنوعة رئيسية هي: الندوات الفكرية التي تؤصل الدور العلمي والأكاديمي، العروض المسرحية، الورشة المسرحية الشبابية المجمعة بعنوان:”الشخصية المسرحية قبل بداية الحدث”، وذلك تحت الأشراف النظري للدكتور/ مبارك المزعل، كما شارك المخرج/ علي العلي بالإشراف التطبيقي والإخراج المسرحي لمشروع الورشة. وذلك بالإضافة إلى فعاليات المركز الإعلامي اليومية والتي قدم من خلالها تجارب الدول العربية في مجال المسرح الشبابي من خلال جلسات حوارية مع وفود وضيوف كل دولة مشاركة بفعاليات المهرجان، وذلك بخلاف التكريم لبعض رموز المسرح الكويتي وبعض المبدعين المتميزين من الشباب، وأيضا تنظيم بعض الجولات السياحية والثقافية إلى كل من: دار الآثار الإسلامية، مكتبة الكويت الوطنية، مركز الجابر الأحمد الثقافي.

تم تنظيم الندوات الفكرية تحت عنوان: مسرح ما بعد الدراما بين النظرية والتطبيق في مسرح الشباب العربي، وذلك من خلال ستة محاور هي: تجربة المسرح الطليعي في الوطن العربي، ملامح مسرح ما بعد الدراما في المسرح الكويتي الحديث، أنطوان أرتو ومنعطف مسارح ما بعد الدراما، الأداء الحركي للممثل في المسرح المعاصر، دور السينوغرافيا في إغناء وتسويق المسرح الناطق بالعربية، الحيل المسرحية على الصور المرئية.

خامسًا:المهرجانات المصرية

بخلاف بعض المهرجانات الفئوية التي تنظم بمصر ومن بينها مهرجانات المسرح المدرسي والجامعي والعمالي ومهرجانات الهيئة العامة لقصور الثقافة يتم سنويا تنظيم خمسة مهرجانات مسرحية مهمة وهي طبقا لأسبقية تأسيسها كما يلي:

– “القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” (تأسس عام 1988)، وقد توقفت دوراته خلال الفترة من 2010 – 2015، وعندما استؤنفت افتقدت للأسف بريقها كما افتقدت أهم إنجازاتها وهي مجموعة المترجمات لأحدث الإصدارات المسرحية.

– “المسرح العربي” (تأسس عام 2001)، وانتظمت دوراته دون توقف فيما عدا عامي 2003 (حرب الخليج)، 2009 (تنظيم الدورة الأولى لمهرجان الهيئة العربية للمسرح بالقاهرة).

– المهرجان “القومي للمسرح المصري” (تأسس عام 2006)، توقفت دوراته خلال الفترة من 2011 – 2014، وللأسف أفقدته الدورة الأخيرة هويته حينما حاول رئيسها أن يحوله إلى مهرجان عربي!!

– “مسرح بلا إنتاج” (تأسس عام 2008)،وقد نظمت دوراته بانتظام بمدينة “الإسكندرية” حتى الدورة الثامنة هذا العام.

– “شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي” (تأسس عام 2016)، تعقد دوراته بمدينة “شرم الشيخ”.

والملاحظة التي يجب تسجيلها في النهاية هي أن أغلب مهرجاناتنا المسرحية تعاني كثيرا نقص الإمكانيات المادية، كما تعاني عدم التنسيق فيما بينها سواء على مستوى مواعيد تنظيمها أو على مستوى تكرار بعض الأنشطة أو تكرار استضافة بعض المشاركين بالفعاليات.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.